في تطور جديد يعكس اتساع الهوة بين الحكومة الإسبانية والاحتلال الإسرائيلي، شنّ رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز هجوماً حاداً على مصادقة الكنيست على قانون يتيح فرض عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل انزلاقاً إضافياً نحو تكريس نظام فصل عنصري قائم على التمييز القانوني والعرقي. ويأتي هذا الموقف في سياق تصاعد الانتقادات الأوروبية والدولية للإجراءات الإسرائيلية، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات بانتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني.

قانون الإعدام: أداة جديدة في منظومة السيطرة

مصادقة الكنيست على هذا القانون تمثل تحوّلاً نوعياً في بنية النظام القانوني الذي يُطبّق على الفلسطينيين، حيث يسمح للمحاكم العسكرية بإصدار أحكام بالإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات أدت إلى مقتل إسرائيليين. الأخطر في هذا التشريع لا يكمن فقط في العقوبة نفسها، بل في الآليات التي يقرّها لتنفيذها؛ إذ ينص على إمكانية إصدار الحكم بأغلبية بسيطة دون الحاجة إلى إجماع، ودون اشتراط طلب من النيابة العامة، ما يفتح الباب أمام قرارات مسيّسة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات القضائية.

كما يمنح القانون عناصر مصلحة السجون الذين ينفذون حكم الإعدام حصانة قانونية وسرية في الهوية، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن غياب المساءلة، ويعزز مناخ الإفلات من العقاب داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية. ويُعد هذا التوجه امتداداً لسياسات قائمة بالفعل تعتمد على القضاء العسكري كأداة لإدارة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

ازدواجية المعايير: جوهر الانتقادات الدولية

أبرز ما أثار غضب سانتشيز والعديد من الأطراف الدولية هو الطابع التمييزي الصريح للقانون، إذ يُطبّق عملياً على الفلسطينيين دون الإسرائيليين، رغم ارتكاب جرائم مشابهة من قبل مستوطنين أو جنود. هذا التفاوت في تطبيق القانون يُعد، وفقاً لمنتقديه، دليلاً إضافياً على وجود نظام قانوني مزدوج يقوم على أساس الهوية القومية أو العرقية، وهو ما يندرج ضمن تعريفات الفصل العنصري في القانون الدولي.

المفوضية الأوروبية بدورها عبّرت عن “قلق بالغ” إزاء هذا التشريع، معتبرة أنه يمثل تراجعاً واضحاً عن التزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما حذّرت من أن تطبيق عقوبة الإعدام في هذا السياق قد يؤدي إلى تصعيد إضافي في التوترات، ويقوّض أي فرص مستقبلية لتحقيق تسوية سياسية عادلة.

توتر متصاعد بين مدريد وتل أبيب

تصريحات سانتشيز لم تأتِ في فراغ، بل تعكس سياقاً أوسع من التوتر المتصاعد بين إسبانيا والاحتلال الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب على غزة في عام 2023. فقد تبنّت مدريد موقفاً نقدياً حاداً تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية، ووصفتها بأنها “إبادة جماعية”، وهو توصيف أثار غضب تل أبيب التي ردّت باتهام الحكومة الإسبانية بمعاداة السامية.

وتفاقم الخلاف خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد معارضة إسبانيا للهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ما دفعها إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة بسحب سفيرها بشكل دائم. هذا التدهور في العلاقات يعكس تحولاً في السياسة الخارجية الإسبانية نحو مواقف أكثر صراحة في انتقاد الاحتلال، وهو ما قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على اتخاذ مواقف مشابهة.

واقع الأسرى: بيئة خصبة للانتهاكات

يأتي هذا القانون في وقت يشهد فيه واقع الأسرى الفلسطينيين تدهوراً غير مسبوق، حيث تشير تقارير حقوقية إلى وجود أكثر من 9500 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم مئات الأطفال والنساء. وتوثّق هذه التقارير انتهاكات جسيمة تشمل التعذيب، الإهمال الطبي، والتجويع، ما أدى إلى وفاة عدد من الأسرى داخل السجون.

في هذا السياق، يُنظر إلى قانون الإعدام كحلقة جديدة في سلسلة من السياسات القمعية التي تستهدف الفلسطينيين، ليس فقط من خلال الاعتقال، بل عبر تصعيد العقوبات إلى أقصى درجاتها. ويثير ذلك تساؤلات جدية حول نوايا الاحتلال في استخدام هذا القانون كأداة ردع جماعي، أو حتى كوسيلة للانتقام السياسي.

من استثناء تاريخي إلى سياسة ممنهجة

تاريخياً، لم تُنفذ إسرائيل عقوبة الإعدام إلا مرة واحدة، بحق النازي أدولف آيخمان عام 1962، بعد إدانته بجرائم خلال الحرب العالمية الثانية. غير أن القانون الجديد يشير إلى تحول خطير من هذا الاستثناء النادر إلى سياسة قد تُستخدم بشكل ممنهج ضد فئة محددة من السكان.

هذا التحول يعكس، في نظر العديد من المراقبين، تصاعد النزعة اليمينية المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية، والتي تسعى إلى إعادة تشكيل النظام القانوني بما يخدم مشروعها الاستيطاني ويُحكم السيطرة على الفلسطينيين.

نحو مرحلة أكثر قتامة

في المحصلة، لا يمكن فصل قانون الإعدام الجديد عن السياق الأوسع لسياسات الاحتلال التي تقوم على التمييز والقمع. وبينما تزداد الأصوات الدولية المنتقدة، يبقى السؤال الأهم: هل ستُترجم هذه الانتقادات إلى خطوات عملية لوقف هذا الانحدار، أم سيستمر الصمت الدولي في منح الغطاء لمزيد من الانتهاكات؟

تصريحات سانتشيز قد تمثل بداية لتحرك أوروبي أوسع، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التحدي في مواجهة نظام بات يعتمد بشكل متزايد على أدوات قانونية لترسيخ واقع غير عادل، يدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران