في مشهد دموي يعكس الانفلات الاستيطاني المدعوم عسكريًا، شهدت الضفة الغربية اليوم السبت سلسلة اعتداءات عنيفة نفذها مستوطنون وقوات الاحتلال الإسرائيلي، طالت الأراضي، والمنازل، والمدارس، بل والأطفال أيضًا. من حرائق القمح والزيتون، إلى اقتحام المدارس وترويع الأطفال، واعتقال القاصرين، يعيش الفلسطينيون في الضفة أيامًا متكررة من الرعب والإرهاب المنهجي، وسط صمت رسمي فلسطيني لا يرقى لمستوى الجريمة الجارية.
وفي الوقت الذي يُسجَّل فيه هذا التصعيد كحلقة جديدة ضمن مسلسل الاعتداءات اليومية، تواصل السلطة الفلسطينية لعب دور المتفرج، مُكملة تنسيقها الأمني مع المحتل، بينما يعاني شعبها على الأرض من بطش المستوطنين وجيش الاحتلال، دون حماية أو محاسبة.

أرضٌ تحترق.. وبيوتٌ تنهار
من شمال الضفة إلى جنوبها، تتعدد أشكال العدوان وتتوحد اليد الآثمة، إذ نفذ المستوطنون عشرات الاعتداءات التي تنوعت بين حرق محاصيل، واقتلاع أشجار، وتخريب ممتلكات.
ففي سهل بلدة سبسطية قرب نابلس، التهمت النيران التي أضرمها مستوطنون أكثر من 40 دونمًا من أراضي القمح، مما أدى إلى خسائر فادحة للمزارعين.
أما في يطا جنوب الخليل، فقد اقتُلع نحو 70 شجرة زيتون مثمرة في عملية واضحة لتهجير الفلاحين.
وفي مشهد آخر لا يقل قبحًا، أحرق مستوطنون أراضي زراعية في بلدة سنجل شمال رام الله، ما أدى إلى دمار 10 أشجار زيتون وعدد من أشجار العنب والصبّار. هذه الهجمات لم تكن عشوائية أو فردية، بل جزء من سياسة ترهيب وتطهير تستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.
كما امتدت الاعتداءات إلى البنية التحتية للعيش، حيث قطع مستوطنون أنابيب المياه المغذية لتجمع شلال العوجا البدوي، وأحرقوا حظيرة أغنام وخزان مياه يستخدم للشرب وتربية المواشي في منطقة عرب المليحات شرق أريحا، ما يفضح استراتيجية الاحتلال في الضغط على السكان الأصليين لدفعهم للرحيل القسري.
الطفولة تُستهدف.. والاعتقالات مستمرة
لم يسلم الأطفال من هذا الإرهاب؛ ففي بيت دجن شرق نابلس، اقتحمت قوات الاحتلال منازل واعتقلت ثلاثة أطفال، ضمن سياسة ترويع ممنهجة تستهدف الجيل الفلسطيني الناشئ.
وفي سابقة خطيرة، اقتحم مستوطنون مدرسة عرب الكعابنة شمال أريحا، وتجوّلوا فيها بحماية الجيش، ما أدى إلى حالة من الرعب بين التلاميذ.
كما أفاد الهلال الأحمر الفلسطيني بإصابة العشرات، من بينهم 5 فلسطينيين في مغاير الدير شرق رام الله، و7 آخرين في قرية المنيا قرب بيت لحم، نتيجة اعتداءات المستوطنين المباشرة.
في ذات الوقت، اقتحمت قوات الاحتلال بلدتي سعير والشيوخ شمال شرق الخليل، مستخدمة الرصاص الحي وقنابل الغاز، ما أسفر عن إصابات جماعية بحالات اختناق، وسط دهم للمنازل ونصب حواجز عشوائية.
بحسب مركز معطى، سجلت الضفة الغربية نحو 900 اعتداء استيطاني منذ بداية 2025 حتى 24 مايو/أيار، بينما رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 341 اعتداء خلال شهر أبريل فقط، ما يكشف عن وتيرة متسارعة غير مسبوقة في عنف المستوطنين.
صمت السلطة.. بين التنسيق الأمني وخذلان الشعب
ورغم هذا التصعيد الخطير، يواصل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سياسة الصمت والتراخي، التي لم تعد تُحتمل حتى لدى أنصاره.
فبينما ينفذ المستوطنون مخططهم بدم بارد، تصر السلطة على الحفاظ على “التنسيق الأمني” مع الاحتلال تحت ذريعة الحفاظ على الاستقرار، وكأنها تُنسّق على حساب دماء شعبها.
تحدث عباس مرارًا عن “مقاومة شعبية سلمية”، وعن “دولة فلسطينية”، لكنه في الميدان لا يملك حتى القدرة على حماية أطفال من الاعتقال أو مزارعين من الحرق أو نساء من الطرد.
هذه الازدواجية بين الخطاب والممارسة تُفقد السلطة ما تبقى لها من شرعية، وتعمّق الهوة بينها وبين الشارع الفلسطيني، الذي يئن تحت وطأة الاحتلال والاستيطان دون سند.
ما يجري في الضفة ليس مجرد أحداث متفرقة، بل حملة منسقة تهدف لتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين، في ظل غياب رادع دولي، وتخاذل عربي، وعجز رسمي فلسطيني. وفي ظل استمرار حرب الإبادة في غزة، فإن الضفة تُستهدف ببطء لكنها لا تقلّ خطرًا.
الأرض تُسرق بصمت.. فمن يُنقذها؟
تصعيد المستوطنين في الضفة لا يحدث في الفراغ، بل يأتي في ظل دعم حكومي إسرائيلي، وتواطؤ المؤسسة الأمنية، وتجاهل المجتمع الدولي، وصمت السلطة الفلسطينية.
وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن الضفة الغربية ستواجه مصيرًا مشابهًا لما جرى في النكبة: تهجير قسري مغطّى بالصمت الرسمي.
الاعتداءات اليومية تحرق الأرض، وتختطف الطفولة، وتهدم البيوت، لكن الأخطر أنها تحاول كسر إرادة الشعب.
غير أن تاريخ الفلسطينيين يشهد بأنهم وإن تُركوا وحدهم، فإن جذور الزيتون التي تُقتلع، تعود لتنبت من جديد، في أرض لا تعرف الهزيمة.
اقرأ أيضًا : تحت عباءة الثورة.. تظاهرات في طرابلس ضد حكم الميليشيات وتدخلات الإمارات الدموية