في مشهد يعكس احتقانًا شعبيًا متصاعدًا داخل دولة الاحتلال، شهدت مدينة “تل أبيب” مساء الثلاثاء احتجاجات عارمة شارك فيها الآلاف، مطالبين الحكومة بإبرام صفقة تبادل فورية تؤدي إلى الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. ووفق ما ذكرته صحيفة “يديعوت أحرنوت”، أقدم المحتجون على إغلاق شارع “أيالون” الحيوي وسط تل أبيب، كما أشعلوا الإطارات داخل الطرقات ما أدى إلى تعطيل حركة المرور بشكل كامل لأكثر من ساعة.

الاحتجاجات التي وصفها مراقبون بأنها الأعنف منذ شهور، جاءت بعد تزايد المخاوف من اتجاه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو نحو تصعيد عسكري جديد في غزة بدلًا من استكمال المفاوضات المتعلقة بصفقة تبادل الأسرى، وهو ما أثار غضب الشارع، لا سيما عائلات الأسرى الذين يشعرون بأن أبناءهم باتوا ورقة سياسية يتم المتاجرة بها من قبل الحكومة.

واعتبر بيان الشرطة الإسرائيلية أن “المتظاهرين أشعلوا النيران وواجهوا عناصر الشرطة، مما عرّض حياتهم وحياة الآخرين للخطر”، مشيرة إلى أنها اعتقلت أحد المحتجين بتهمة الاعتداء على رجال الأمن. غير أن شهود عيان نقلوا صورة مغايرة، مؤكدين أن الشرطة تعاملت مع التظاهرة بعنف مفرط رغم سلمية الوقفة التي نُظّمت أمام وزارة الحرب الإسرائيلية، والتي دعا إليها ذوو الأسرى أنفسهم.

عائلات الأسرى: “نتنياهو يقتادنا إلى كارثة”

في سياق متصل، حذّرت عائلات الأسرى من أن حكومة نتنياهو تتجه لاتخاذ قرارات وصفتها بـ”الكارثية”، محذّرين من أن استمرار نهج تجاهل ملف الأسرى قد يُفضي إلى نتائج وخيمة على الدولة. وقال بيان للعائلات: “حكومة إسرائيل على وشك ارتكاب كارثة وطنية، ليس فقط بحق الرهائن بل بحق الدولة بأكملها”. وأكد البيان أن “عودة المختطفين ما زالت ممكنة، وهي مسؤولية الحكومة في المقام الأول”، في إشارة إلى فشل نتنياهو في تحقيق أي تقدم حقيقي في ملف التبادل منذ ما يقرب من عشرة أشهر.

هذا التحذير تزامن مع تسريبات نقلتها وسائل إعلام عبرية، بينها “هيئة البث الإسرائيلية الرسمية”، تفيد بأن نتنياهو اتخذ قرارًا مبدئيًا بالتوجه نحو احتلال قطاع غزة بالكامل، في ظل حالة الجمود التي تعيشها مفاوضات التبادل. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن نتنياهو ناقش القرار مع وزراء وممثلين عسكريين في اجتماع أمني مغلق، ما فُسّر على نطاق واسع بأنه تخلٍّ نهائي عن خيار التفاوض، وإصرار على الحل العسكري مهما كانت تكلفته.

نتنياهو بين المطرقة والسندان: تعنت سياسي يُقابل بانفجار اجتماعي

ويواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة من مختلف الأطياف السياسية والشعبية داخل دولة الاحتلال. ففي حين تواصل عائلات الأسرى الضغط عبر الشارع والإعلام، تتنامى أيضًا الأصوات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية التي ترى أن المماطلة في حسم ملف الأسرى تضعف الجبهة الداخلية، وتُعمّق الانقسامات، وتمنح المقاومة الفلسطينية ورقة ضغط قوية.

ويذهب محللون إلى القول إن تعنّت نتنياهو في ملف صفقة التبادل يعود إلى حسابات سياسية داخلية، إذ يخشى أن تؤدي أي صفقة تُعطي حماس انتصارًا إعلاميًا إلى خسارته قاعدة ناخبيه اليمينيين. لكن في المقابل، فإن الإصرار على الحل العسكري قد يُغرق الدولة في مستنقع جديد في غزة، خصوصًا بعد أن أثبتت الوقائع الميدانية خلال الأشهر الماضية فشل محاولات الاحتلال في كسر المقاومة، على الرغم من استخدام القوة المفرطة وسياسة الأرض المحروقة.

وتقدّر دولة الاحتلال أن عدد المحتجزين لديها في غزة يبلغ نحو 50، بينهم 20 لا يزالون على قيد الحياة، وفق ما أعلنته مصادر إسرائيلية. بينما تحتجز إسرائيل في سجونها أكثر من 10,800 أسير فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والنساء والمرضى، يعيشون أوضاعًا إنسانية كارثية تحت وطأة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم في السنوات الأخيرة، بحسب مؤسسات حقوقية.

غزة تحترق والعالم يصمت: حصيلة الإبادة الجماعية تطارد الاحتلال

منذ السابع من أكتوبر 2023، يواصل الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة ضد سكان قطاع غزة، استخدمت فيها طائراته ودباباته كل أدوات القتل والتجويع والتدمير، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وعلى الرغم من صدور أوامر من محكمة العدل الدولية بوقف الحرب، لم تلتزم إسرائيل، في ظل دعم أمريكي غير مشروط.

وقد أسفرت الحرب حتى الآن عن استشهاد وإصابة أكثر من 211 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن 9 آلاف مفقود، وآلاف آخرين قضوا جوعًا بسبب الحصار ومنع دخول المساعدات، بحسب تقارير الأمم المتحدة. وتسببت الحرب أيضًا في تدمير البنية التحتية وتهجير مئات الآلاف من المدنيين قسرًا، ما خلق واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث.

خاتمة: صيف ساخن في إسرائيل وغزة.. والمأزق السياسي يتعمّق

تشير الاحتجاجات المتزايدة في تل أبيب، وبيانات عائلات الأسرى، إلى أن صيف الاحتلال سيكون ساخنًا على أكثر من جبهة. فبينما تُصِرّ الحكومة على الخيار العسكري، يتصاعد الضغط الشعبي والحقوقي باتجاه صفقة تبادل تُنهي مأساة الأسرى. وفي ظل حالة التصلب التي يظهرها نتنياهو، فإن إسرائيل تبدو اليوم أمام معادلة مستحيلة: فإما استمرار الحرب مع كل ما تحمله من كوارث، أو القبول بتنازلات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الداخل الممزق.

ويبدو أن السؤال الأخطر الآن لم يعد فقط: “متى ستُعقد صفقة التبادل؟”، بل: “هل سيكون هناك دولة قادرة أصلًا على اتخاذ هذا القرار قبل أن تشتعل النار في كل بيت داخل إسرائيل؟”.

اقرأ أيضًا : صور الأسرى تهز إسرائيل.. والمقاومة تقلب الطاولة على نتنياهو