في تصعيد لافت يعكس حجم الغضب داخل أروقة الأمم المتحدة، أكدت مقرّرة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز أن دولة الاحتلال لا تملك أي حق قانوني في منع المنظمات الإنسانية من دخول قطاع غزة أو الأراضي الفلسطينية المحتلة. وشددت ألبانيز على أن ما تقوم به إسرائيل يمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، داعية الدول إلى تعليق علاقاتها السياسية والاقتصادية معها إلى حين امتثالها الكامل لالتزاماتها القانونية.

هذه الدعوة لا تعكس موقفًا شخصيًا بقدر ما تمثل تراكمًا قانونيًا وأخلاقيًا لسنوات من الانتهاكات، لكنها تأتي هذه المرة في سياق حرب إبادة وحصار خانق، ما يمنحها وزنًا سياسيًا غير مسبوق.

هدم مقر الأونروا.. استهداف مباشر للأمم المتحدة

بالتوازي مع الموقف الأممي، فجّرت خطوة الاحتلال بهدم منشآت ومكاتب متنقلة داخل مقر الرئاسة التابع لوكالة الأونروا في حي الشيخ جرّاح بالقدس الشرقية موجة إدانات دولية واسعة.

الهدم الذي جرى في 20 من الشهر الجاري، وبمشاركة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، عُدّ رسالة سياسية وأمنية تتجاوز البعد العمراني، لتصل إلى حد الطعن المباشر في شرعية عمل وكالة أممية تأسست بقرار دولي وتخدم ملايين اللاجئين الفلسطينيين منذ عقود.

بيان 11 دولة: خطوة غير مقبولة وتقويض متعمّد

في موقف جماعي نادر، أصدرت 11 دولة أوروبية إلى جانب كندا واليابان بيانًا مشتركًا وقّعه وزراء خارجية بريطانيا وبلجيكا وكندا والدنمارك وفرنسا وآيسلندا وأيرلندا واليابان والنرويج والبرتغال وإسبانيا.

البيان وصف هدم مقر الأونروا بأنه “خطوة غير مسبوقة وغير مقبولة” ضد وكالة تابعة للأمم المتحدة، معتبرًا ما جرى جزءًا من سياسة إسرائيلية ممنهجة لتقويض قدرة الوكالة على أداء مهامها الإنسانية، خاصة في قطاع غزة حيث تقف الأونروا على خط الدفاع الأخير أمام الانهيار الكامل.

تشريعات الكنيست.. حصار قانوني للعمل الإنساني

لم تكتفِ إسرائيل بالهدم الميداني، بل مضت في مسار تشريعي خطير عبر قوانين أقرّها الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ثم جرى تعزيزها في ديسمبر/كانون الأول 2025، تحظر عمل الأونروا وتمنع أي تواصل رسمي معها، وصولًا إلى قطع خدمات الكهرباء والمياه عن مقارها.

هذه التشريعات تمثل، وفق مراقبين، محاولة لإضفاء “شرعية داخلية” على خرق فاضح للقانون الدولي، وتحويل العمل الإنساني إلى ورقة ابتزاز سياسي وأمني.

المساعدات رهينة القيود.. وغزة في قلب الكارثة

البيان الدولي شدد على أن الأوضاع الإنسانية في غزة لا تزال بالغة السوء، وأن حجم المساعدات التي تدخل القطاع لا يقترب حتى من الحد الأدنى لاحتياجات السكان. وطالبت الدول إسرائيل بفتح جميع المعابر، بما فيها معبر رفح في الاتجاهين، ورفع القيود المفروضة على المواد المصنفة “مزدوجة الاستخدام”، والتي تُعد أساسية للإغاثة والتعافي المبكر.

كما ذكّر البيان بموافقة إسرائيل السابقة على خطة النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تنص على دخول المساعدات وتوزيعها بقيادة الأمم المتحدة والهلال الأحمر، دون تدخل إسرائيلي مباشر، وهو التزام لم يُترجم فعليًا على الأرض.

حماس: الإدانة لا تكفي دون أفعال

في المقابل، رحّبت حركة المقاومة الإسلامية حماس بالبيان المشترك، لكنها شددت على أن البيانات وحدها لا توقف الجرافات ولا تفتح المعابر. ودعت الدول الموقعة إلى تحويل مواقفها السياسية إلى خطوات عملية ضاغطة، تضمن استئناف عمل الأونروا دون قيود أو ابتزاز، وتمكّنها من أداء مهامها وفق تفويض الأمم المتحدة.

كما طالبت الحركة بقية دول العالم باتخاذ مواقف مماثلة، معتبرة أن الصمت الدولي هو ما يشجع الاحتلال على التمادي في استهداف المؤسسات الإنسانية.

تعنّت الاحتلال.. اختبار لصدقية النظام الدولي

تكشف هذه التطورات عن معادلة واضحة: احتلال يزداد تعنّتًا وعدوانية، ونظام دولي يكتفي – حتى الآن – بسقف الإدانة السياسية. دعوة فرانشيسكا ألبانيز لتعليق العلاقات مع إسرائيل تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما ترجمة القانون الدولي إلى أدوات ضغط ملموسة، أو القبول بانهيار منظومة الحماية الإنسانية بالكامل.

في غزة والقدس، لم يعد الصراع على الأرض فقط، بل على معنى العدالة الدولية نفسها، وعلى ما إذا كانت الأمم المتحدة ستظل مرجعية فاعلة أم مجرد شاهد عاجز على جرائم تُرتكب في وضح النهار.

اقرأ أيضًا : حماس تمهّد لتسليم المقار الحكومية في غزة: إدارة انتقالية وسط تعقيدات أمنية وضغوط إقليمية