كشفت مصادر مطلعة أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بدأت عمليًا التحضير لمرحلة إدارية جديدة في قطاع غزة، عبر الاستعداد لتسليم عدد من المقار الوزارية والحكومية التي لا تزال قائمة ولم تتعرض لدمار كامل خلال حرب الإبادة الجماعية، وذلك لصالح لجنة إدارة غزة التي يجري التوافق عليها بدعم إقليمي، في خطوة تعكس تعقيدات المشهد السياسي والأمني بعد الحرب، ومحاولات ضبط الواقع الداخلي دون المساس بثوابت المقاومة.

تسليم مقار حكومية وترتيبات ميدانية
بحسب المصدر، قدّمت الحكومة التي كانت تديرها حماس كشفًا تفصيليًا بحالة المقار الرسمية المتبقية، تمهيدًا لتسليمها فور وصول لجنة إدارة غزة إلى القطاع. وتشمل هذه المقار وزارات ومؤسسات حيوية، من بينها وزارة الداخلية والأمن الوطني، بما يعكس استعداد الحركة للتعامل بمرونة مع الترتيبات الإدارية الجديدة، طالما أنها لا تمس جوهر المعركة ولا تتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في المقاومة.
وأشار المصدر إلى أن الاتصالات بين حماس ولجنة إدارة غزة جارية على قدم وساق لتنظيم آلية الاستلام، وسط توقعات بوصول غالبية أعضاء اللجنة إلى القطاع خلال الأيام المقبلة، في إطار مسعى لإعادة تنظيم الشؤون المدنية والخدمية في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب.
عقدة الملف الأمني واسم مثير للجدل
غير أن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات، أبرزها الخلاف المتعلق بملف الأمن، وتحديدًا بشأن دخول مسؤول أمني محسوب على السلطة الفلسطينية في رام الله إلى قطاع غزة. وأوضح المصدر أن هناك اعتراضًا واسعًا داخل غزة على دخوله في الوقت الراهن، على خلفية أحكام واتهامات سابقة تتعلق بتورطه في إدارة شبكات أمنية عملت ضد المقاومة، وجمعت معلومات عن عناصرها، ونفذت أنشطة تخريبية، تفاقمت خطورتها خلال الحرب الأخيرة.
وبحسب المعطيات، يجري بحث حلّ مؤقت يقضي بتخصيص مقر لهذا المسؤول في محيط معبر رفح، لتجاوز إشكالية دخوله إلى القطاع، وذلك ضمن تفاهمات تُناقش بمشاركة أطراف إقليمية، في محاولة للفصل بين المسار الإداري والملف الأمني الحساس.
إعادة تنظيم الأمن الداخلي
في سياق متصل، كشف المصدر عن اختيار سبعة شخصيات من قطاع غزة لتولي مهام مدراء أمن في مختلف مناطق القطاع من شماله إلى جنوبه. وستناط بهم مهمة إدارة العمليات الأمنية اليومية بالتنسيق مع لجنة إدارة غزة، وبإشراف مباشر من الجانب المصري، في مسعى لضبط الوضع الميداني ومنع الانزلاق إلى فوضى أمنية، خاصة في ظل انتشار السلاح وغياب بنية خدمية مستقرة بعد الحرب.
ويُفهم من هذه الترتيبات أن الهدف الأساسي هو حفظ الأمن المجتمعي وحماية المدنيين، دون تحويل هذه الخطوة إلى أداة لضرب المقاومة أو نزع سلاحها، وهو خط أحمر تؤكد الحركة التزامها به.
دمج الموظفين والشرطة… ملف شائك
على صعيد آخر، تفيد معطيات متداولة بأن حماس تبدي انفتاحًا على دمج الكوادر المدنية والأمنية التي عملت خلال السنوات الماضية ضمن أي صيغة إدارية جديدة، بما في ذلك آلاف الموظفين المدنيين ونحو عشرة آلاف عنصر شرطة. وترى الحركة أن الإقصاء الجماعي أو الإقالات الواسعة قد تفتح الباب أمام فراغ إداري وفوضى أمنية، في وقت لا يحتمل فيه القطاع مزيدًا من الاضطراب.
وفي هذا الإطار، جرى توجيه رسائل للعاملين في المؤسسات المدنية والأمنية بضرورة التعاون مع اللجنة الجديدة، مع تأكيد العمل على إيجاد آليات لدمجهم أو إعادة هيكلة الوزارات، وربما إحالة بعض الموظفين إلى التقاعد وفق معايير متفق عليها.
موقف المقاومة وحدود المرونة
ورغم هذه المرونة الإدارية، تشدد المقاومة، وفق المصدر، على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تنطلق من الالتزام بثوابت الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حقه المشروع في مقاومة الاحتلال. فالتعامل مع لجان إدارية أو صيغ انتقالية لا يعني، من وجهة نظرها، التخلي عن دورها الوطني أو القبول بشروط سياسية أو أمنية تُفرض من الخارج.
كما تؤكد المقاومة أن الهدف من هذه الخطوات هو حماية المجتمع الفلسطيني في غزة، وتنظيم شؤونه الحياتية في مرحلة ما بعد الحرب، لا منح الاحتلال أو أي طرف خارجي مكاسب سياسية أو أمنية على حساب دماء الشهداء وتضحيات الشعب.
مرحلة انتقالية مفتوحة على الاحتمالات
في المحصلة، تعكس هذه التطورات دخول قطاع غزة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والإنسانية. وبينما تسعى حماس إلى إظهار انضباط إداري واستعداد للتعاون في الشأن المدني، فإنها في الوقت ذاته ترسم خطوطًا واضحة تتعلق بالأمن والمقاومة، في مشهد يعكس توازنًا دقيقًا بين المرونة والتمسك بالثوابت، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، ومستقبل لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.
اقرأ أيضًا : محكمة بريطانية تُدين تجسس بن سلمان على المعارضين وتُعوض غانم الدوسري بـ4.1 مليون دولار