المشاهد التي رافقت تسليم جثامين عشرات الفلسطينيين من الأسرى والمعتقلين، لم تكن عادية. فالأجساد التي أعادها الاحتلال إلى غزة لم تحمل فقط آثار الحرب، بل دلائل قاطعة على جرائم تعذيب وإعدام ميداني متعمد، نفذت بدمٍ بارد ضد محتجزين عزّل.

أكثر من 150 جثمانًا وصلت إلى وزارة الصحة في غزة ضمن صفقة تبادل، لكن الفحوصات الطبية أظهرت ما هو أبعد من القتل:

أجساد مربوطة بالأصفاد، أعين معصوبة، آثار شنق على الأعناق، رصاصات من مسافة صفر، وكسور وحروق تشير إلى تعذيب استمر لأيام قبل الموت.

هذه الشواهد، كما وصفها المكتب الإعلامي الحكومي، لا تترك مجالاً للشك بأن الاحتلال مارس سياسة تصفية جسدية ممنهجة، في انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف الرابعة وكل قواعد القانون الدولي الإنساني.

جريمة تتجاوز حدود الحرب

الانتهاكات التي وثّقتها الجهات الفلسطينية تُظهر أن ما جرى لم يكن تجاوزًا فرديًا، بل نمطًا منظّمًا من التعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

فالمشاهد تعيد إلى الأذهان صور السجون السرية ومعتقلات الاحتلال التي تحوّلت إلى مختبر للتنكيل الجسدي والنفسي، ضمن سياسة تهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية حتى بعد الأسر.

ويرى مراقبون أن ما كشفته هذه الجثامين ينسف ادعاءات الاحتلال حول “التزامه بالمعايير الدولية”، ويؤكد أن الإعدام الميداني أصبح أداة معتمدة ضمن منظومة الحرب على غزة.

المنظومة الدولية.. عجز أم تواطؤ؟

الخبير في القانون الدولي إسماعيل خلف الله اعتبر أن الجرائم المرتكبة بلغت “مرحلة التفنن في الوحشية”، وأنها تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي تُرتكب على مرأى من العالم دون محاسبة.

وأكد أن “إفلات الاحتلال من العقاب” أضعف منظومة العدالة الجنائية الدولية، مشيرًا إلى أن مذكرات التوقيف ضد نتنياهو وغالانت لا تكفي، إذ يجب أن تمتد لتشمل المئات من الضباط والمسؤولين الذين شاركوا في التعذيب والإعدامات.

وأضاف أن الاقتصار على ملف الجثامين دون معالجة جرائم التجويع والحصار وحرمان المدنيين من المساعدات، يعني تبرئة ضمنية لجوانب أخرى من الجرائم المستمرة.

أما الخبير القانوني محمود رفعت فذهب أبعد من ذلك، مؤكدًا أن المؤسسات الدولية باتت “فارغة من محتواها”، وأن العدالة الدولية تحولت إلى “واجهة شكلية” منذ سنوات، في ظل هيمنة سياسية تمنع أي محاسبة حقيقية لمرتكبي الجرائم الإسرائيلية.

وأشار إلى أن المحاكم الدولية “موجودة كمبانٍ فقط، لا تملك أدوات تنفيذ أو إرادة سياسية لإنفاذ القانون”.

دعوات لتحقيق دولي عاجل

في مواجهة هذا العجز، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيق دولي مستقل وفوري لكشف ملابسات الجرائم، مؤكدًا أن الجثامين تحمل أدلة واضحة على التعذيب والإعدام الميداني.

وشدد المرصد على أن “هذه الجرائم لا يمكن أن تمر دون محاسبة”، وأن صمت المجتمع الدولي يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات بحق الأسرى والمدنيين الفلسطينيين.

العدالة المؤجلة.. إلى متى؟

بين مشاهد الجثامين وآهات ذوي الضحايا، يقف الضمير الإنساني أمام اختبار قاسٍ:

هل يمكن أن تظل العدالة رهينة حسابات السياسة؟

وهل سيُفتح يومًا ملف جرائم الإعدام والتعذيب الإسرائيلي أمام محكمة لا تخضع لسطوة القوة؟

حتى الآن، لا مؤشرات على تحرك دولي جاد، لكن هذه الجثامين – بما تحمله من أدلة دامغة – قد تكون شهادة ما قبل العدالة، ودليلًا يصعب دفنه مهما طال الصمت.

اقرأ أيضا: الاحتلال يرحّل 32 ناشطًا أجنبيًا تضامنوا مع الفلسطينيين في قطف الزيتون.. جريمة جديدة لكتم صوت الشهود