إعلان إسرائيلي متأخر وسردية أحادية
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، الاثنين، العثور على آخر جثة إسرائيلية في قطاع غزة، بعد التعرف رسميًا على جثمان الجندي ران غويلي، الذي قُتل خلال هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونُقل جثمانه إلى القطاع. وحرص بيان الجيش على إبراز الإجراءات التقنية والطبية لعملية التعرف، في محاولة لتكريس رواية “الإنجاز الأمني” وإغلاق ملف الأسرى الإسرائيليين، متجاهلًا السياق السياسي والإنساني الأوسع المرتبط بملف التبادل وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
غير أن الإعلان، في توقيته ومضمونه، بدا أقرب إلى خطوة دعائية تهدف إلى تبرير سلوك الاحتلال خلال الأسابيع الماضية، خصوصًا بعدما ربط رئيس حكومته بنيامين نتنياهو تنفيذ استحقاقات إنسانية وسياسية، مثل فتح معبر رفح، باستكمال البحث عن الجثمان الأخير، وهو ربط وصفته فصائل فلسطينية بأنه ابتزاز سياسي صارخ.
رواية الفصائل: تسليم الإحداثيات والمماطلة المقصودة
في المقابل، كشفت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، أن الفصائل الفلسطينية كانت قد سلّمت الوسطاء إحداثيات جثمان غويلي قبل ثلاثة أسابيع، مؤكدة أن الاحتلال تعمد المماطلة في التنسيق والبحث. هذا التصريح ينسف الرواية الإسرائيلية التي تحاول الظهور بمظهر الطرف الذي “أنجز مهمته” في ظروف معقدة، ويعيد توجيه الأنظار إلى حقيقة أن الاحتلال استخدم الملف كورقة ضغط لتعطيل التزاماته.
حركة حماس، من جانبها، أكدت أنها تعاملت مع ملف الجثمان من منطلق المسؤولية الوطنية والالتزام الكامل باتفاق وقف إطلاق النار، وقدّمت المعلومات المطلوبة أولًا بأول عبر الوسطاء، بما أفضى في النهاية إلى العثور على الجثمان. وشددت الحركة على أن هذا السلوك يعكس نهج المقاومة في احترام التفاهمات، مقابل سياسة التسويف الإسرائيلية.
اتفاق وقف إطلاق النار تحت الاختبار
يمثل العثور على الجثمان الأخير محطة مفصلية في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، التي شملت تبادل الأسرى ورفات القتلى. وبحسب المعطيات، سلّمت الفصائل الفلسطينية منذ بدء تنفيذ الاتفاق 20 أسيرًا إسرائيليًا أحياء ورفات 27 آخرين، لتُغلق بذلك هذه المرحلة بالكامل.
لكن إغلاق هذا الملف لا يعني، وفق القراءة الفلسطينية، نهاية الخلاف، بل بداية اختبار حقيقي لمدى جدية الاحتلال في تنفيذ ما تبقى من الاتفاق. فحماس شددت على أن الاحتلال مطالب باستكمال جميع بنود الاتفاق دون انتقاص، وفي مقدمتها فتح معبر رفح في الاتجاهين، إدخال الاحتياجات الإنسانية بالكميات المطلوبة، رفع القيود عن المواد المحظورة، الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وتسهيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع.
معبر رفح: ورقة ابتزاز سياسي
من أبرز مظاهر انتهاك الاتفاق، استمرار إغلاق معبر رفح، الذي سيطر عليه جيش الاحتلال في مايو/أيار 2024 خلال عملية برية في جنوب القطاع، ودمّر بنيته التحتية وأغلقه بالكامل. ورغم أن الاتفاق نصّ على تسهيلات إنسانية واضحة، ربط نتنياهو إعادة فتح المعبر بملف الجثمان الأخير، في خرق فاضح لروح الاتفاق ونصّه، وتحويل قضية إنسانية إلى أداة مساومة سياسية.
وترى الفصائل الفلسطينية أن هذا السلوك يكشف نية الاحتلال الإبقاء على أدوات الضغط حتى بعد وفائه الظاهري بالشق المتعلق بالأسرى، وهو ما ينسف الثقة في أي تعهدات إسرائيلية لاحقة، خاصة تلك المرتبطة بالمرحلة الثانية من الاتفاق.
مرحلة ثانية محفوفة بالتناقضات
تنص المرحلة الثانية من الاتفاق على قضايا شديدة الحساسية، أبرزها نزع سلاح المقاومة، انسحاب إضافي لجيش الاحتلال من غزة، وبدء عملية إعادة إعمار شاملة، تُقدّر الأمم المتحدة كلفتها بنحو 70 مليار دولار. غير أن السلوك الإسرائيلي خلال المرحلة الأولى، وفق مراقبين، يطرح تساؤلات جدية حول استعداد تل أبيب للانتقال إلى هذه المرحلة دون فرض شروط جديدة أو خلق ذرائع إضافية للتعطيل.
ما بعد الجثمان: ذريعة سقطت
تؤكد حركة حماس أن العثور على الجثمان الأخير أسقط آخر ذرائع الاحتلال لتعطيل تنفيذ الاتفاق، ودعت الدول الضامنة إلى تحمّل مسؤولياتها والضغط على تل أبيب لتنفيذ الاستحقاقات المعلّقة. فالمقاومة، بحسب البيان، أوفت بكل ما عليها، بينما يواصل الاحتلال انتهاك الاتفاق عمليًا عبر الإغلاق والحصار والمماطلة.
وفي المحصلة، يكشف هذا الملف أن الصراع لم يكن يومًا تقنيًا أو إجرائيًا، بل سياسيًا بامتياز. فبين التزام فلسطيني مُعلن، ومراوغة إسرائيلية مستمرة، يبقى اتفاق وقف إطلاق النار هشًا، ما لم تُجبر تل أبيب على احترامه كاملًا، لا استخدامه كأداة لإدارة الأزمة وتمديدها على حساب دماء الفلسطينيين ومعاناتهم.
اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يفك حصار الدلنج.. ضربة موجعة لميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا في جنوب كردفان