في تطور خطير يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق اليمني، سقط آخر معسكرين تابعين للجيش اليمني في محافظة حضرموت بيد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا ومسلحين قبليين، في خطوة تعزز مسار تفكيك الدولة اليمنية وتحويل المحافظات الشرقية إلى مناطق نفوذ موازٍ لسلطة الحكومة الشرعية.
وبحسب مصادر يمنية مطلعة، فقد سيطر مقاتلون من قبائل آل المناهيل، السبت، على معسكر اللواء 11 حرس حدود في مديرية رمّاه شمال شرقي حضرموت، قرب الحدود السعودية. وتفيد المعلومات بأن المعسكر كان يعيش حالة حصار منذ يومين، رغم إعلان قائده انضمامه رسميًا لميليشيا المجلس الانتقالي خلال تلك الفترة، قبل أن تنسحب قواته لاحقًا تاركة المعسكر في قبضة المقاتلين القبليين.
وتزامن ذلك مع سيطرة قوات المجلس الانتقالي على معسكر اللواء 315 مدرع في مديرية ثمود شمال المحافظة، دون أي اشتباكات، ما يعكس حجم التفاهمات والاختراقات التي حققتها أبوظبي خلال الأشهر الأخيرة داخل الوحدات العسكرية التابعة للحكومة اليمنية.
وبذلك، تكون ميليشيا الانتقالي قد أحكمت قبضتها على كامل المعسكرات الحكومية في حضرموت خلال أيام قليلة، بعد أن استولت على أهم المواقع العسكرية في وادي حضرموت، بما في ذلك المقر المركزي للمنطقة العسكرية الأولى، ومطار سيئون، والقصر الجمهوري، في عملية تمت دون مقاومة تُذكر، باستثناء اشتباكات محدودة داخل سيئون.

تحول مفاجئ في خريطة السيطرة
تُعد حضرموت أكبر المحافظات اليمنية، وتشكل أكثر من 40% من مساحة البلاد، كما أنها محور ثقل أمني واقتصادي، لاحتوائها على حقول النفط الرئيسية، وموقعها الاستراتيجي الممتد من عمق الصحراء إلى ساحل بحر العرب. ومنذ مطلع ديسمبر الجاري، تشهد المحافظة تطورات متسارعة قلبت المعادلة الميدانية رأسًا على عقب.
فالوادي، مركزه مدينة سيئون، كان يُعد آخر معاقل الحكومة اليمنية في الشرق، مع وجود قوي لحلف قبائل حضرموت بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، المطالب بإدارة ذاتية موسعة للمحافظة، بعيدًا عن نفوذ الانتقالي وأجندة أبوظبي.
أما الساحل، ومركزه المكلا، فهو خاضع منذ سنوات لنفوذ ميليشيا الانتقالي، رغم تبعيته الإدارية للمجلس الرئاسي. لكن الجديد هو تمدد هذا النفوذ إلى الوادي والصحراء، ما يعني أن حضرموت بجغرافيتها الشاسعة باتت الآن تحت سيطرة قوى لا تخضع للدولة، بل تعمل ضمن مشروع سياسي مدعوم خارجيًا.
شرارة التوتر: النفط والتوسع الإماراتي
تعود جذور الأزمة إلى منتصف نوفمبر الماضي، حين اندلعت اشتباكات في غيل بن يمين بين حلف قبائل حضرموت ومسلحين تابعين للانتقالي. وتحوّل التوتر سريعًا إلى صراع مفتوح على النفوذ، خصوصًا بعد أن سيطر مسلحو القبائل على موقع شركة المسيلة النفطية، في خطوة اعتُبرت إنذارًا مباشرًا من القبائل برفض دخول ميليشيات الانتقالي إلى مناطق النفط.
ورغم توقيع اتفاق تهدئة برعاية سعودية، لم تتوقف تحركات الانتقالي، بل استغل الهدنة للتموضع بشكل أقوى، وتنفيذ خطة السيطرة على الوادي تدريجيًا، عبر تفكيك وحدات الجيش واستمالة قادتها، في تكرار لسيناريو عدن وشبوة وسقطرى.
أهداف أبوظبي: تقسيم اليمن عبر “جيوب نفوذ”
السيطرة السريعة لميليشيا الانتقالي على المعسكرات في حضرموت ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي ضمن استراتيجية إماراتية ممتدة منذ عام 2015، تقوم على:
- إنشاء كيانات عسكرية موازية للدولة (الحزام الأمني، النخبة الشبوانية، النخبة الحضرمية، قوات الانتقالي).
- إضعاف الجيش الوطني عبر التجفيف المالي، وإقالة القيادات، وخلق صراعات داخلية.
- السيطرة على الموانئ والجزر والمنافذ الاستراتيجية مثل سقطرى وبلحاف والمكلا.
- تنفيذ مشروع تقسيم فعلي لليمن عبر تكريس كيانات أمر واقع جنوبًا وشرقًا.
وتسعى الإمارات، وفق مراقبين، إلى تحويل حضرموت إلى “إقليم خاص” ضمن نفوذها، بما يضمن لها السيطرة على الشريط الساحلي الممتد إلى المهرة، تمهيدًا لربط مشاريعها التجارية والعسكرية في بحر العرب بالمحيط الهندي.
ماذا تعني سيطرة الانتقالي على حضرموت؟
تشير هذه التطورات إلى مرحلة جديدة في مستقبل اليمن، تحمل عدة تداعيات خطيرة:
أولًا: انتهاء وجود الدولة في الشرق اليمني.
فالمؤسسات الأمنية والعسكرية التي كانت تمثل الحكومة سقطت، وحل مكانها مشروع انفصالي مسلح.
ثانيًا: تعزيز مشروع الانفصال.
تسعى ميليشيا الانتقالي لضم حضرموت إلى ما تسميه “دولة الجنوب”، رغم رفض قطاعات واسعة من الحضارم لهذا الطرح.
ثالثًا: خلق صدام محتمل بين القبائل والانتقالي.
فالقبائل لعبت دورًا تكتيكيًا في السيطرة على بعض المعسكرات، لكن مشروعها يختلف تمامًا عن مشروع الانتقالي، وقد يتحول التحالف المؤقت إلى مواجهة.
رابعًا: تهديد المصالح الإقليمية والدولية.
فحضرموت بوابة النفط اليمني ومنطقة حدودية مع السعودية، وسيطرة كيان مدعوم إماراتيًا عليها يخلق توازنات جديدة قد لا تكون الرياض راضية عنها.
ختامًا
ما جرى في حضرموت ليس مجرد تبدل ميداني، بل تحول استراتيجي يعكس حجم الاندفاع الإماراتي لإعادة تشكيل الجنوب والشرق اليمني بما يخدم مصالحها، حتى لو كان الثمن تفكيك اليمن وإنهاء آخر ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وبينما تُحكم ميليشيا الانتقالي قبضتها على المحافظة، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يتجه الشرق اليمني وسط هذا التسونامي السياسي والعسكري؟
اقرأ أيضًا : الإمارات تدفع الملايين للقاعدة: فدية تكشف دولة عاجزة لا تُتقن سوى صناعة الميليشيات