تكشف معطيات جديدة نقلتها هيئة البث الإسرائيلية عن فجوة واضحة بين الخطاب العلني الصادر عن ديوان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وبين ما جرى فعليًا خلف الكواليس بشأن الترتيبات الدولية الخاصة بإدارة قطاع غزة. فبحسب مصادر مطلعة، كانت إسرائيل على علم مسبق بتركيبة اللجان الدولية المرتبطة بإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، واطلعت على أسماء المشاركين وأدوارهم، بل وحاولت التدخل للتأثير على بعض الاختيارات، قبل أن تفشل هذه المساعي.
هذا التسريب ينسف بشكل مباشر الرواية الرسمية التي روّج لها نتنياهو، والتي ادعت أن الإعلان الأمريكي عن تشكيل ما سُمي بـ”مجلس السلام” تم دون علم إسرائيل أو تنسيق معها، في محاولة لإظهار تل أبيب كطرف متفاجئ أو مهمّش في ترتيبات ما بعد الحرب.

محاولات تدخل إسرائيلية فاشلة
مصدر مشارك في أعمال إحدى اللجان الدولية الخاضعة لإشراف “مجلس السلام” أكد أن إسرائيل لم تكن فقط مطلعة، بل حاولت بالفعل التأثير على هوية بعض الأعضاء، خصوصًا أولئك الذين تعتبرهم غير منسجمين مع رؤيتها السياسية والأمنية لمستقبل غزة. غير أن هذه المحاولات لم تُكلل بالنجاح، وهو ما فُسِّر داخل دوائر الاحتلال كإخفاق سياسي وأمني في لحظة حساسة.
ويشير المصدر إلى أن جوهر الخلاف لا يقتصر على الإجراء أو الشكل، بل يتصل بطبيعة الشخصيات المشاركة، التي تمتلك ثقلًا إقليميًا وخبرة تفاوضية قد تحدّ من قدرة إسرائيل على فرض شروطها كاملة في مرحلة “ما بعد الحرب”.
لجنة استشارية لا تنفيذية
على خلاف ما أُشيع في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد المصدر على أن اللجنة الدولية المعنية بإدارة المرحلة الانتقالية ليست هيئة تنفيذية مستقلة، بل جسم استشاري يعمل تحت إشراف مباشر من “مجلس السلام”، ولا يمتلك صلاحيات اتخاذ القرار النهائي. ومع ذلك، فإن الدور الاستشاري في هذه المرحلة يُعد بالغ الحساسية، كونه يساهم في رسم الإطار العام للحوكمة والأمن وإعادة الإعمار.
وتضم اللجنة شخصيات إقليمية بارزة، من بينها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى جانب المسؤول القطري علي الذوادي، المقرب من دوائر صنع القرار في الدوحة، وهو ما يفسر جانبًا من القلق الإسرائيلي، لا سيما تجاه الدورين التركي والقطري في أي صيغة مستقبلية لغزة.
إعلان أمريكي وترتيبات فوقية
يوم الجمعة، أعلن البيت الأبيض رسميًا عن أعضاء “مجلس السلام” في غزة، إلى جانب الكشف عن تشكيل “مجلس غزة التنفيذي”، في سياق التحضير للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. ورحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، معتبرًا إياها خطوة محورية ضمن خطته الشاملة لإنهاء الصراع.
البيت الأبيض قدّم هذه الترتيبات باعتبارها مسارًا تقنيًا وإداريًا يهدف إلى تحقيق الاستقرار، لكنه تجاهل إلى حد كبير السياق السياسي الأعمق، المتمثل في كون هذه الهياكل وُلدت تحت واقع احتلال عسكري مستمر، ودون تفويض شعبي فلسطيني مباشر.
علي شعث وحكومة التكنوقراط
وفق البيان الأمريكي، سيتولى نائب وزير التخطيط الفلسطيني الأسبق علي شعث رئاسة “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، مع تكليفه بإعادة تأهيل الخدمات العامة وبناء المؤسسات المدنية وتحقيق الاستقرار اليومي. وقد جرى تسويق شعث بوصفه “قائدًا تكنوقراطيًا” يتمتع بخبرة إدارية واحترام دولي.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم “حكومة التكنوقراط” في السياق الفلسطيني، إذ يرى مراقبون أن هذا النموذج ليس سوى إعادة إنتاج لإدارة مدنية منزوعة السيادة، تعمل تحت سقف الاحتلال وبشروطه الأمنية، بما يجعلها – فعليًا – امتدادًا غير مباشر لمنظومة السيطرة الإسرائيلية، وإن ارتدت ثوب الحياد والخبرة الفنية.
غطاء قانوني دولي أم شرعنة للأمر الواقع؟
البيت الأبيض أشار إلى أن الخطة تتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 (2025)، الذي رحّب بإنشاء “مجلس السلام” ومنحه دورًا محوريًا في الإشراف على تنفيذ بنود الخطة الأمريكية. غير أن منتقدي هذا المسار يرون أن القرار الدولي يُستخدم كغطاء قانوني لشرعنة واقع مفروض بالقوة، لا كآلية تضمن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
في هذا السياق، تبدو “حكومة التكنوقراط” المقترحة أقرب إلى أداة إدارة أزمة، لا مشروعًا سياسيًا تحرريًا، وهو ما يفسر السعي الإسرائيلي المبكر للتأثير على تركيبة اللجان، خشية أن تنفلت العملية من سيطرتها الكاملة.
خلاصة المشهد
تكشف هذه التطورات أن الاحتلال لم يكن بعيدًا أو غافلًا عن ترتيبات إدارة غزة، بل كان حاضرًا ومراقبًا ومُحاولًا للتدخل. أما فشل هذه المحاولات، فلا يعني بالضرورة انتصارًا لإرادة مستقلة، بقدر ما يعكس صراعًا خفيًا على شكل الإدارة لا على جوهر السيطرة. وفي ظل غياب تمثيل وطني فلسطيني جامع، تبقى كل هذه الهياكل عرضة للاتهام بأنها إدارة مفروضة، مهما تغيّر اسمها أو توصيفها.
اقرأ أيضًا : حكومة جديدة بوجوه مختلفة باليمن… هل تمهّد لاستقرار بعد تراجع الميليشيا الإماراتية؟