في موقف جديد يعبّر عن تصاعد التوتر بين حركة “حماس” والإدارة الأمريكية، دعت الحركة واشنطن إلى “فضح الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة” لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بدلًا من “ترديد الأكاذيب الإسرائيلية” التي تتهم الحركة بسرقة المساعدات الإنسانية.
وجاءت هذه التصريحات في أعقاب بيان أمريكي زعم أن عناصر من “حماس” استولت على شاحنة مساعدات في خانيونس، وهو ما نفته الحركة بشكل قاطع، مؤكدة أن لا علاقة لها مطلقًا بتوزيع المساعدات أو إدارتها، وأن جميع المنظمات الدولية العاملة في القطاع تشهد بذلك.

أكاذيب ممنهجة وتواطؤ أمريكي
قال المتحدث باسم “حماس” حازم قاسم، إن “ادعاء الولايات المتحدة بنهب عناصر حماس للمساعدات جزء من أكاذيب ممنهجة وامتداد للدعاية الإسرائيلية التي تحاول منذ بداية الحرب التغطية على جرائمها الإنسانية”. وأوضح أن الحركة لا تتسلم أي مساعدات إنسانية “بشهادة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية”، مشيرًا إلى أن كل ما يدخل إلى القطاع يجري بإشراف مباشر من مؤسسات الإغاثة الدولية.
وأضاف قاسم أن على واشنطن بدلًا من التورط في “ترويج المزاعم الإسرائيلية” أن توظف قدراتها الاستخباراتية والعسكرية لكشف الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، حيث تستمر عمليات القتل والقصف رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وشدد على أن سياسة الولايات المتحدة القائمة على “التغطية على الجرائم الإسرائيلية” تضعها في خانة الشريك الفعلي للاحتلال.
تلاعب بالمسار الإنساني وابتزاز سياسي
اتهمت “حماس” الاحتلال الإسرائيلي بانتهاج سياسة “التحكم في تدفق المساعدات وابتزاز المواقف السياسية” من خلال التحكم في المعابر، خصوصًا معبر رفح البري ومعبر كرم أبو سالم. وقال قاسم إن الاحتلال “يتلاعب بالمسار الإنساني في القطاع ويستخدم المساعدات أداة للابتزاز السياسي والضغط على المقاومة”، داعيًا المجتمع الدولي إلى “التحرك لوقف هذه الممارسات وفرض رقابة أممية حقيقية على المعابر”.
وفي هذا السياق، أشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن ما يدخل يوميًا إلى القطاع لا يتجاوز 136 شاحنة مساعدات إنسانية فقط، بينما تدّعي القيادة المركزية الأمريكية أن نحو 600 شاحنة من المساعدات والبضائع تدخل يوميًا إلى غزة. وأوضحت الحركة أن غالبية الشاحنات المذكورة في البيانات الأمريكية والإسرائيلية “شاحنات تجارية” لا علاقة لها بالإغاثة، وأن الفقراء والمنكوبين في القطاع لا يستطيعون شراء ما تحمله بسبب ارتفاع الأسعار وشح السيولة.
إجرام الاحتلال في ظل الهدنة
وفي موازاة الاتهامات المتبادلة حول ملف المساعدات، أكدت “حماس” أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل “إجرامه بحق المدنيين” رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن الانتهاكات اليومية تشمل “عمليات اغتيال ميدانية، وقصفا بالمدفعية والطائرات، وعمليات توغل محدودة في مناطق مختلفة من القطاع”.
وأوضح قاسم أن هذه الخروقات باتت “سياسة إسرائيلية ممنهجة”، تشمل القتل العمد للمدنيين ومنع وصول الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلًا عن استمرار إغلاق معبر رفح، مما يفاقم الكارثة الإنسانية ويهدد بانهيار الاتفاق الهش للتهدئة.
ووفق مصادر محلية، قتل الجيش الإسرائيلي خلال الأسبوعين الماضيين عشرات الفلسطينيين في مناطق عدة من القطاع، رغم تعهداته للوسطاء الدوليين بعدم تنفيذ أي عمليات هجومية. وتؤكد المنظمات الإنسانية أن الخروقات الإسرائيلية المتكررة “تعرقل عمليات الإغاثة وتعرض حياة فرق الإنقاذ للخطر”، إذ تم توثيق استهداف سيارات إسعاف ومراكز إيواء في أكثر من مناسبة منذ بدء الهدنة.
المجتمع الدولي بين العجز والتواطؤ
ورأت “حماس” أن الموقف الأمريكي يعكس حالة “تواطؤ سياسي وإنساني” مع الاحتلال، إذ تواصل واشنطن تبني الرواية الإسرائيلية بشأن المساعدات والعمليات الميدانية، متجاهلة التقارير الأممية التي توثق جرائم الحرب في غزة. واعتبر قاسم أن الإدارة الأمريكية “تفقد مصداقيتها الأخلاقية” حين تتحدث عن حقوق الإنسان بينما تتغاضى عن قتل الأطفال والنساء في القطاع.
من جانبه، دعا قاسم دول العالم إلى “وقف سياسة الكيل بمكيالين”، محذرًا من أن استمرار صمت المجتمع الدولي على الانتهاكات الإسرائيلية “يشجع الاحتلال على مزيد من الجرائم”. وأضاف أن الشعب الفلسطيني “يدفع ثمن هذا الصمت بدمائه”، وأن “العدالة الدولية ستظل مشلولة ما دامت الولايات المتحدة تستخدم الفيتو لحماية إسرائيل من المساءلة”.
رؤية تحليلية: إسرائيل تستغل المساعدات لتبييض جرائمها
يرى مراقبون أن الاتهامات الأمريكية لحركة “حماس” تأتي ضمن حملة منسقة هدفها إعادة تشكيل الرأي العام العالمي بعد الانتقادات الواسعة لإسرائيل إثر مجازرها في غزة. وتستخدم تل أبيب، بحسب هؤلاء، ملف المساعدات كأداة لتلميع صورتها، عبر الادعاء بأنها تسمح بإدخال الغذاء والدواء بينما تتعمد في الواقع تجويع السكان وعرقلة وصول الإغاثة إلى المناطق الشمالية من القطاع.
وتشير تقارير منظمات الإغاثة الدولية إلى أن أكثر من 85% من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر، وأن نصف المستشفيات والمراكز الطبية لا تعمل بسبب نقص الوقود والأدوية، فيما لا تزال إسرائيل تمنع دخول مواد البناء والمعدات الضرورية لإعادة الإعمار.
خاتمة: أكاذيب الاحتلال لا تغطي الجرائم
في المحصلة، تعكس تصريحات “حماس” رسالة سياسية حادة موجهة لواشنطن والمجتمع الدولي مفادها أن “الإنسانية لا تُدار بالدعاية”، وأن التلاعب بملف المساعدات لن يخفي حقيقة ما يجري في غزة من قتل وتجويع وتدمير. وبينما تواصل الولايات المتحدة تبني الرواية الإسرائيلية، تتزايد الأصوات التي تطالبها بمراجعة موقفها، والكف عن حماية الاحتلال من المساءلة القانونية، إذ لا يمكن لواشنطن أن تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وهي تتواطأ في التغطية على أبشع الجرائم ضد المدنيين العزّل.
اقرأ أيضًا :“أبوظبي تدين نفسها”.. الإمارات تستنكر مجازر الفاشر وسط اتهامات بتمويل الدعم السريع