كشف تحقيق موسع أجرته مجلة +972 وموقع لوكال كول الإسرائيلي، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي استحدث وحدة سرية أطلق عليها اسم “خلية إضفاء الشرعية”، مهمتها الأساسية تلميع صورة “إسرائيل” أمام الرأي العام الدولي، وتبرير جرائمها المتصاعدة في قطاع غزة، خصوصًا ضد الصحفيين.
وأظهر التحقيق أن هذه الخلية لعبت دورًا مباشرًا في التمهيد لاغتيال الصحفي الفلسطيني أنس الشريف وزملائه، عبر فبركة روايات أمنية تزعم صلاتهم بالمقاومة الفلسطينية.

وحدة خاصة لتبييض الجرائم
التحقيق أشار إلى أن هذه الخلية ليست وحدة عسكرية قتالية بالمعنى التقليدي، بل هي فريق يعمل في الظل، يجمع المعلومات ويركز على “الهندسة الإعلامية” وتوجيه الخطاب الدولي لصالح الاحتلال.
الهدف الأساسي هو خلق سردية مضادة للروايات الفلسطينية، عبر إلصاق تهم بالصحفيين ونشطاء المجتمع المدني، وتقديمهم كعملاء لحركة حماس أو كجزء من “البنية التحتية الإرهابية”. وبهذا المنطق، يصبح اغتيالهم “مبررًا” ومقبولًا أمام حلفاء إسرائيل الغربيين.
ويقول التحقيق إن الخلية شغّلت أدوات مراقبة ورصد دقيقة، واستهدفت خصوصًا الصحفيين الميدانيين الذين يكشفون جرائم الاحتلال بالصوت والصورة. وأكد أن عملية “إظهار الصحفيين كعملاء” كان هدفها الأساسي تخفيف الغضب العالمي على قتلهم، وفتح الطريق أمام الجيش ليواصل حربه من دون ضغوط سياسية أو تهديدات بوقف إمدادات السلاح الأميركية والأوروبية.
اغتيال أنس الشريف.. الصوت الذي أرادوا إسكاتَه
تجلّى عمل هذه الخلية مؤخرًا في اغتيال الصحفي أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة في غزة، إلى جانب خمسة من زملائه. العملية جاءت بعد حملة ممنهجة على منصات الاحتلال الإعلامية اتهمت الشريف بأنه “قائد خلية في حماس”، في تبرير فج للقتل العمد. لكن هذا التبرير سرعان ما قوبل بتكذيب واسع، إذ عرف الشريف بشجاعته في تغطية الحرب منذ يومها الأول، وبمصداقيته العالية التي نقلت للعالم مشاهد المجازر والدمار في غزة.
الصحفيون الذين استهدفوا في الغارة الجوية هم: أنس الشريف، محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، محمد نوفل، ومحمد الخالدي الذي قضى لاحقًا متأثرًا بجراحه. ومع هذه الجريمة ارتفع عدد الصحفيين الشهداء منذ بدء الحرب إلى 245 صحفيًا، في حصيلة غير مسبوقة بتاريخ النزاعات المسلحة المعاصرة.
أصوات دولية: قتل متعمد وسياسة إبادة
منظمة العفو الدولية أصدرت بيانًا شديد اللهجة، وصفت فيه اغتيال الصحفيين بأنه “قتل متعمد” يستهدف إسكات الصوت الفلسطيني. وأكدت أن الشريف وزملاءه كانوا “عيون غزة وصوتها”، وظلوا يواصلون عملهم رغم الجوع والإرهاق، ورغم التهديدات المتكررة. وأشارت المنظمة إلى أن استهداف الصحفيين بهذا الشكل يمثل سابقة مأساوية في التاريخ الحديث، ويدخل في إطار سياسة الإبادة الجماعية التي تنتهجها إسرائيل في القطاع.
كما شددت منظمات حقوقية أخرى على أن قتل هذا العدد الكبير من الصحفيين خلال فترة زمنية قصيرة لا يمكن اعتباره “أضرارًا جانبية”، بل هو جزء من استراتيجية مدروسة لضرب الإعلام الحر، ومنع العالم من رؤية الحقيقة على الأرض.
منع الشهود.. وإحكام العزلة الإعلامية
التحقيقات ربطت بين عمل “خلية إضفاء الشرعية” وبين سياسة الاحتلال بمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، حيث لم يُسمح لهم بالدخول إلا برفقة الجيش وتحت رقابته. وبهذا، ضمن الاحتلال السيطرة على الصورة والرواية، مع تعقب الصحفيين الفلسطينيين وتصفيتهم ميدانيًا عند الحاجة. هذه السياسة المزدوجة تهدف إلى عزل غزة عن العالم، وتقديم صورة وحيدة عبر إعلام الاحتلال والدعاية الموجهة.
حتى تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي قال إنه “يود رؤية الصحفيين يدخلون غزة”، لم تغيّر من واقع الحصار الإعلامي، إذ استمرت إسرائيل في منع المراسلين المستقلين من الوصول، خشية من توثيق الجرائم الممنهجة ضد المدنيين.
بين التلميع والاغتيال.. معركة على الحقيقة
إن استحداث وحدة مثل “خلية إضفاء الشرعية” يكشف عن إدراك الاحتلال أن معركة الرواية لا تقل خطورة عن المعركة الميدانية. فكل صورة ينقلها صحفي من غزة، وكل شهادة تبثها الكاميرات، كانت تُحدث صدى عالميًا وتزيد عزلة إسرائيل. ومن هنا، جاء الرهان على التلاعب بالسردية: شيطنة الضحايا، واتهام الصحفيين بالإرهاب، وقتلهم جسديًا بعد اغتيال سمعتهم إعلاميًا.
لكن المفارقة أن اغتيال أنس الشريف وزملائه لم يُسكت صوت غزة، بل أثار موجة تعاطف عالمية، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول جرائم الحرب الإسرائيلية، وفضح أكثر أساليب الاحتلال وحشية في محاولاته المستمرة لإخفاء الحقيقة.
خاتمة: صوت أنس لن يصمت
اغتيال أنس الشريف لم يكن استهدافًا لشخصه فقط، بل محاولة لإخماد الحقيقة التي كان ينقلها للعالم من قلب الخراب في غزة. غير أن صوته، وصوت مئات الشهداء من الصحفيين، تحول إلى شهادة دامغة على جرائم الاحتلال، ودليل على أن إسرائيل تخوض حربًا مزدوجة: حرب إبادة على الأرض، وحرب إسكات على الحقيقة. ومع كل محاولة لتبرير هذه الجرائم عبر “خلية إضفاء الشرعية”، تتأكد حقيقة واحدة: أن الاحتلال يخشى الكاميرا أكثر مما يخشى الرصاصة.
اقرأ أيضًا : القواعد الإسرائيلية تحرم غزة من المساعدات الإنسانية