في مشهدٍ أثار غضب الفلسطينيين والعرب، قاد الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الأربعاء، مجموعة من المستوطنين في اقتحامٍ جديد لباحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، وسط رقصاتٍ استفزازية وحراسةٍ مشددة من قوات الاحتلال.
جاء ذلك في ثاني أيام ما يسمى بـ”عيد العُرش” اليهودي، بينما يلتزم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الصمت، في وقتٍ يرى فيه مراقبون أن هذا الصمت بات غطاءً لجرائم الاحتلال المتصاعدة بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين.

رقصات استفزازية فوق الأرض المقدسة
أظهرت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي الوزير المتطرف بن غفير، زعيم حزب “القوة اليهودية” اليميني، وهو يشارك عشرات المستوطنين رقصاتٍ وأهازيج في ساحة البراق الملاصقة للمسجد الأقصى، والتي يطلق عليها اليهود اسم “الحائط الغربي”. المشهد لم يكن مجرد طقسٍ دينيٍّ كما يدّعي الاحتلال، بل كان استعراضًا سياسيًا مقصودًا يُظهر تحدِّي بن غفير للفلسطينيين والعالم الإسلامي، ويؤكد مضيه في سياسة “فرض الوقائع” بالقوة على الأرض.
ووفق هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، فإن بن غفير اقتحم المسجد “للصلاة من أجل النصر في الحرب وتدمير حركة حماس وعودة المختطفين”، في إشارة إلى الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين وتدمير شامل للبنية التحتية.
هذا الخطاب المتطرف، الذي يجمع بين الديني والعسكري، يعكس النهج الأيديولوجي لحكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو، والتي تسعى لتكريس الطابع اليهودي للقدس على حساب طابعها العربي والإسلامي، في انتهاك صارخ لكل قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
الاقتحامات تتصاعد والأوقاف تحذر
بحسب دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، فقد اقتحم أكثر من 500 مستوطن المسجد الأقصى الثلاثاء، في أول أيام عيد العُرش، وسط تكبيرات المصلين واحتجاجاتهم، فيما سمحت قوات الاحتلال للمقتحمين بأداء طقوسٍ تلمودية علنية داخل باحات المسجد، في سابقة خطيرة تكرّس محاولات تقسيم الأقصى زمانيًا ومكانيًا بين المسلمين واليهود.
تأتي هذه الاقتحامات ضمن سياسةٍ ممنهجة تتبعها سلطات الاحتلال منذ سنوات لفرض السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى، من خلال تكرار الاعتداءات اليومية، ومنع المصلين الفلسطينيين من الوصول إليه، واعتقال حراسه والعاملين فيه، والتضييق على المرابطين والمرابطات الذين يحمون ساحاته بأجسادهم.
وفي هذا السياق، حذّرت وزارة الأوقاف الفلسطينية من أن “ما يجري في المسجد الأقصى ليس مجرد اقتحامات عابرة، بل هو تنفيذٌ لخطةٍ إسرائيلية تستهدف تقسيم المسجد وتهويده بالكامل”، مشددة على أن صمت المجتمع الدولي يشجع إسرائيل على المضي في جرائمها بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية.
صمت عباس.. خيانة أم عجز؟
في المقابل، أثار صمت رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس غضبًا واسعًا بين الفلسطينيين، حيث اعتبره كثيرون خيانةً للقضية، خاصة في ظل استمرار اقتحامات الأقصى ومجازر غزة اليومية. لم يصدر عن الرئاسة الفلسطينية أي بيان إدانة أو تحركٍ سياسي فعلي أمام المجتمع الدولي، رغم أن ما يحدث يمسّ أقدس مقدسات المسلمين.
ويرى محللون أن عباس، الذي يراهن على المفاوضات وعلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب مقابل تبادل الأسرى، بات جزءًا من “إدارة الأزمة” لا من مقاومتها. فبينما يواصل الاحتلال جرائمه في القدس وغزة والضفة الغربية، تنشغل السلطة الفلسطينية في رام الله بملاحقة الناشطين ومنع التظاهرات المؤيدة للمقاومة.
ويقول المراقب السياسي الفلسطيني ناصر اللحام إن “صمت عباس في ظل اقتحام الأقصى جريمة سياسية وأخلاقية”، موضحًا أن “السلطة فقدت كل شرعية تمثيلية بعد أن تخلت عن الدفاع عن القدس، واكتفت بالتنسيق الأمني مع الاحتلال”.
القدس بين التهويد والمقاومة
منذ احتلال القدس عام 1967 وضمها رسميًا عام 1980، تعمل إسرائيل على تغيير معالم المدينة عبر الاستيطان المكثف، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وفرض الهوية اليهودية على الفضاء العام. المسجد الأقصى، الذي يُعد رمزًا دينيًا وسياسيًا للعرب والمسلمين، يقع في صميم هذا المخطط، إذ يمثل السيطرة عليه بالنسبة لليمين الإسرائيلي “تتويجًا للحلم التوراتي”.
لكن على الجانب الآخر، يتمسك الفلسطينيون بالقدس عاصمةً أبدية لدولتهم المأمولة، ويواصلون الدفاع عنها رغم كل محاولات القمع والإرهاب. فالمقدسيون والمرابطون في الأقصى أثبتوا عبر العقود أن إرادتهم أقوى من كل إجراءات الاحتلال، وأنهم خط الدفاع الأول عن هوية المدينة المقدسة.
حرب الإبادة في غزة توازي معركة القدس
الاقتحامات المتزايدة للمسجد الأقصى تأتي في سياقٍ متصل مع حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة منذ عامين، بدعمٍ أمريكي وغربي. فكما تسعى إسرائيل لتدمير المقاومة في القطاع، فهي تحاول في القدس إلغاء أي وجودٍ فلسطيني فعلي.
وتقدّر تل أبيب وجود 48 أسيرًا إسرائيليًا في غزة، بينهم 20 على قيد الحياة، بينما يقبع في سجون الاحتلال نحو 11 ألفًا و100 فلسطيني يعانون التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، وفق تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية.
ورغم المفاوضات الجارية في القاهرة بين إسرائيل وحركة حماس للتوصل إلى اتفاق تبادل أسرى ووقفٍ لإطلاق النار، فإن حكومة نتنياهو، بدعمٍ من وزراء متطرفين مثل بن غفير وسموتريتش، تواصل التصعيد العسكري والسياسي في كل الجبهات، في محاولةٍ لتثبيت مشروعها التوسعي في فلسطين المحتلة.
خاتمة: القدس تستصرخ أمتها
بينما يرقص بن غفير فوق أرضٍ مقدسةٍ دُنِّست بمدرعات الاحتلال، ويصمت عباس صمت الخذلان، تبقى القدس تُنادي أبناءها والعالم العربي والإسلامي للدفاع عنها. فالمعركة لم تعد حول حجارةٍ أو حدودٍ، بل حول هويةٍ تُسرق أمام أعين الجميع.
ومهما طال الصمت، فإن التاريخ لن يرحم من خان القدس أو تواطأ على الأقصى، ولن يغفر لمن ترك رايات المقاومة وحدها تذود عن كرامة الأمة.
اقرأ أيضًأ : بالتزامن مع ذكرى الطوفان.. والمقاومة في غزة تعود لتقصف مستوطنة نتيف هعسراه