تشهد مدينة القدس حالة من الحراك الشعبي المتصاعد، مع دعوات واسعة أطلقتها جهات دينية ووطنية لحشد عشرات الآلاف في محيط المسجد الأقصى خلال أيام عيد الفطر. هذه الدعوات لا تأتي في سياق ديني صرف، بل تعكس تحوّلاً في طبيعة المواجهة مع الاحتلال، حيث بات “الحضور الجماهيري” أداة مركزية لفرض واقع ميداني في ظل القيود المشددة التي فُرضت على المسجد طوال شهر رمضان.

الحركة الإسلامية في القدس شددت على أن الإغلاق المتكرر للأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه يمثل محاولة ممنهجة لتغيير الوضع القائم، معتبرة أن الذرائع الأمنية لم تعد سوى غطاء لسياسات تهدف إلى تفريغ المسجد من رواده وفرض سيطرة تدريجية عليه.

سياسة الإغلاق: أدوات السيطرة وتغيير الواقع القائم

يعتمد الاحتلال في تعامله مع المسجد الأقصى على سياسة مركبة تقوم على الإغلاق الجزئي أو الكلي، ومنع فئات عمرية معينة من الدخول، إلى جانب التضييق الأمني عند أبواب البلدة القديمة. هذه الإجراءات، بحسب مراقبين، لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الديني والسياسي في الحرم القدسي.

فإغلاق الأقصى خلال مناسبات دينية كبرى، مثل رمضان والعيد، يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني، إذ يُستخدم كأداة لفرض وقائع جديدة على الأرض، تتماشى مع مشاريع تهويدية تسعى إلى تقليص الوجود الإسلامي داخل المسجد، مقابل تعزيز حضور المستوطنين.

دعوات لإغلاق المساجد المحيطة: تركيز الحشد في نقطة المواجهة

في خطوة لافتة، دعت دائرة الأوقاف الإسلامية إلى إغلاق المساجد المحيطة بالمسجد الأقصى يوم العيد، بهدف توجيه المصلين نحو الحضور في محيطه. هذه الدعوة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية “الكتلة البشرية” في مواجهة إجراءات الاحتلال، حيث إن امتلاء الساحات المحيطة بالأقصى يشكل ضغطاً مباشراً على سلطات الاحتلال، ويصعّب من فرض الإغلاق الكامل.

كما أفتى الشيخ عكرمة صبري بضرورة التوجه إلى أقرب نقطة من المسجد والصلاة فيها، في حال تعذر الوصول إليه، معتبراً أن ذلك يشكل شكلاً من أشكال الرباط المشروع، ويُبقي الأقصى في صدارة الوعي الشعبي.

الأردن والمسؤولية السياسية: بين الوصاية والواقع الميداني

الدعوات المقدسية لم تقتصر على الحشد الشعبي، بل امتدت لتشمل مطالبة الأردن—بصفته صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس—بالتحرك الفاعل لحماية المسجد الأقصى.

هذا النداء يعكس حالة من الإحباط الشعبي من محدودية التأثير السياسي في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات حول قدرة الأطر الرسمية على ترجمة هذه الوصاية إلى خطوات عملية توقف الانتهاكات المتكررة.

في المقابل، يرى محللون أن الضغط الشعبي المتصاعد قد يشكل عامل دعم للموقف الأردني، ويمنحه أوراقاً إضافية في مواجهة السياسات الإسرائيلية على المستوى الدولي.

تراجع الاهتمام الدولي: الأقصى وغزة خارج الأولويات

في خضم تصاعد أزمات إقليمية متلاحقة، تراجعت قضية المسجد الأقصى وقطاع غزة في سلم الاهتمامات الدولية والإعلامية، وهو ما أشار إليه الشيخ كمال الخطيب، محذراً من خطورة هذا التراجع على واقع المقدسيين.

هذا الغياب الدولي، بحسب مراقبين، يمنح الاحتلال مساحة أوسع للمضي في سياساته دون ضغوط تُذكر، سواء عبر استمرار إغلاق الأقصى أو من خلال تكثيف الاعتداءات على السكان الفلسطينيين في القدس وغزة.

كما أن تراجع التغطية الإعلامية يسهم في تقليص حجم التضامن الشعبي العالمي، ما يضعف من تأثير الرأي العام الدولي كأداة ضغط.

إجرام الاحتلال: قمع ممنهج وانتهاك للحقوق الدينية

تتجلى سياسات الاحتلال في القدس كجزء من منظومة قمعية أوسع، تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة على مختلف المستويات. فإغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه لا يمثل فقط انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة، بل يأتي ضمن سياق أوسع من التضييق يشمل الاعتقالات، والاعتداءات على المصلين، وفرض القيود على الحركة.

كما تترافق هذه السياسات مع محاولات مستمرة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، في خطوة تُعد من أخطر المشاريع التي تستهدف هويته الإسلامية.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن ما يجري في القدس لا يمكن فصله عن سياسات أوسع في غزة والضفة الغربية، حيث تتكرر أنماط القمع والعقاب الجماعي، بما يعكس نهجاً متكاملاً يقوم على فرض السيطرة بالقوة وإخضاع السكان الفلسطينيين.

عيد تحت الحصار: بين الرمزية الدينية والمواجهة السياسية

يأتي عيد الفطر هذا العام في القدس في ظل ظروف استثنائية، حيث يتحول من مناسبة دينية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إرادة شعبية تسعى لفرض حقها في العبادة، وسلطة احتلال تحاول تكريس واقع جديد بالقوة.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الدعوات للحشد الشعبي محاولة لإعادة التوازن، عبر استخدام أدوات مدنية وسلمية في مواجهة إجراءات عسكرية وأمنية مشددة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الحراك على تحقيق أهدافه، في ظل تعقيدات المشهد السياسي والإقليمي، لكن المؤكد أن معركة الأقصى لم تعد تقتصر على حدود المسجد، بل باتت تعكس صراعاً أوسع على الهوية والسيادة والوجود.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران