أصوات عربية تدين.. ولكن من المسؤول؟ في بيانات رسمية صدرت تباعًا خلال اليومين الماضيين، أدانت الدول العربية الهجمات المسلحة التي استهدفت مخيمي “زمزم” و”أبو شوك” للنازحين، في محيط مدينة الفاشر شمال دارفور، ووصفتها بانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. وزارة الخارجية السعودية شددت على ضرورة وقف هذه الانتهاكات وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في “إعلان جدة” لحماية المدنيين. كما طالبت قطر بضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، مؤكدة دعمها الكامل للجهود الدولية لإحلال السلام في السودان.
مصر بدورها عبّرت عن “اشمئزازها” من استهداف المدنيين والكوادر الطبية، مؤكدة ضرورة احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه. بينما أعربت الكويت وسلطنة عمان والأردن عن مواقف مشابهة تدعو للحوار ووقف إطلاق النار. الموقف الإماراتي بدوره جاء عبر بيان لوزارة الخارجية دان الهجمات ووصفها بـ”الوحشية”، ودعا لحماية المدنيين وتسهيل إدخال المساعدات.
لكن المعضلة الحقيقية لا تكمن في الكلمات، بل في الأفعال التي تناقضها، فالدولة ذاتها التي تصف الهجمات بأنها “انتهاك سافر”، هي في الواقع أحد أبرز المتهمين بدعم مليشيا “الدعم السريع” بالسلاح والتمويل والدعم اللوجستي والاستخباراتي.
الإمارات.. من الداعم السري إلى المُدين الإعلامي رغم الإدانة العلنية التي أطلقتها أبو ظبي للهجوم على مخيمي زمزم وأبو شوك، إلا أن تقارير أممية واستقصائية أكدت على مدار الأشهر الماضية دور الإمارات المركزي في دعم قوات الدعم السريع التي تقف خلف معظم المجازر والانتهاكات بدارفور. ويُتهم النظام الإماراتي بتوفير ممرات آمنة لوصول السلاح إلى قوات حميدتي عبر ليبيا وتشاد، وتمويل شبكات تجنيد المرتزقة، وشراء الذهب المنهوب من السودان مقابل أسلحة متطورة.
هذا التناقض يُظهر وجه الإمارات الحقيقي في الإقليم؛ فمن جهة تسوّق نفسها على أنها “وسيط سلام” و”فاعل خيري”، بينما هي في الواقع أحد أهم مهندسي الفوضى والحروب في السودان، مثلما كانت في ليبيا واليمن. ويدرك المتابعون للشأن السوداني أن ما يحدث اليوم في دارفور ليس سوى ثمرة مرّة لتحالفات إماراتية مع أمراء الحرب، بدأت منذ سنوات، وتغذت على هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي في البلاد.
المأساة في الفاشر.. مشهد من جحيم الهجمات على مخيمات النازحين لم تكن عابرة، بل جاءت ضمن حملة عنيفة شنتها قوات الدعم السريع منذ 10 مايو/أيار الماضي على مدينة الفاشر ومحيطها، في تحدٍّ واضح للتحذيرات الدولية. وأسفرت الهجمات عن مقتل أكثر من 320 شخصاً، وتشريد آلاف العائلات، وفقاً لتقارير محلية وأممية. ومنظمات الإغاثة الدولية أعلنت أن “آخر مستشفى” في مخيم زمزم تم اقتحامه وقتل طاقمه الطبي بالكامل، بينهم أطباء وممرضون كانوا يقدّمون الخدمات الصحية تحت القصف.
المشهد الذي نقلته منسقية مقاومة الفاشر كان قاتمًا: جثث المدنيين في الشوارع، قصف مدفعي عشوائي على الأحياء السكنية، ونازحون يفرون حفاةً في طرق صحراوية هربًا من نيران الموت. ويقول وزير الصحة في حكومة دارفور بابكر حمدين إن الأوضاع تفوق الوصف، وإن المدينة تُباد أمام أعين العالم.
المجتمع الدولي يتحرك.. ولكن بحذر إلى جانب الإدانة العربية، دانت الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وبريطانيا والولايات المتحدة الهجمات التي طالت المدنيين والعاملين في الإغاثة. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى “تحقيق عاجل في الجرائم المرتكبة”، فيما حذر مبعوث الاتحاد الإفريقي من أن الفاشر قد تشهد “مجزرة جماعية” إذا لم يتم كبح جماح الدعم السريع.
لكن حتى الآن، لا تزال هذه الإدانات تدور في فلك الكلام دون فعل حقيقي لردع الميليشيات أو فرض عقوبات على الداعمين الخارجيين، خصوصًا أبو ظبي التي لا تزال تُعامل باعتبارها شريكًا دوليًا لا غنى عنه رغم سجلها الدموي في النزاعات الإقليمية.
خاتمة: هل تصمد الإدانات أمام نفوذ المال والسلاح؟ الرد العربي على ما يجري في السودان يظل محدودًا ما دام لم يتجاوز التصريحات الدبلوماسية إلى الفعل السياسي الصارم. المطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار، بل محاسبة الدول والجهات التي تغذي الحرب بالسلاح والمال والمرتزقة، وعلى رأسها النظام الإماراتي.
فالسكوت عن دعم أبو ظبي لحميدتي ومليشياته ليس فقط خيانة للضحايا، بل تشجيع لمزيد من المجازر. وإذا لم يتحول هذا الغضب العربي إلى ضغط حقيقي لوقف الدعم العسكري والمالي لقوى التمرد والانتهاكات، فإن بيانات الإدانة لن تكون سوى ورقة توت تغطي تواطؤًا إقليميًا مفضوحًا