في مشهدٍ سياسيٍّ حمل ملامح النضج والمسؤولية الوطنية، حاز ردّ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بوقف الحرب في غزة، إشادة واسعة من قوى فلسطينية وكيانات وطنية بارزة، في مقدّمتها المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج والمؤتمر الوطني الفلسطيني. فقد وصف بيان “فلسطينيو الخارج” موقف الحركة بأنه “ردّ وطني متّزن” قدّم مصلحة الشعب الفلسطيني فوق أي اعتبار سياسي أو حزبي، في وقتٍ تتعاظم فيه الضغوط الدولية على المقاومة.
وأكد المؤتمر في بيانه أن حماس أظهرت نضجًا سياسيًا كبيرًا، إذ جمعت بين المرونة الدبلوماسية والتمسك بالثوابت، فقبلت البنود التي تتعلّق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، لكنها في الوقت نفسه رفضت أي بند يمس الحقوق الوطنية أو يفتح الباب أمام تنازلات استراتيجية. واعتبر البيان أن هذا الموقف يعكس “وعياً عميقاً بطبيعة المرحلة وخطورة ما تحاول إدارة ترامب فرضه من تسويات مُجتزأة تخدم مصالح الاحتلال”، مؤكدًا أن الردّ الفلسطيني هذه المرة جاء مختلفًا، إذ أفقد واشنطن وتل أبيب القدرة على استخدام ورقة “الرفض المطلق” لتشويه المقاومة.

المقاومة تفرض إيقاعها.. من الميدان إلى السياسة
من الميدان إلى طاولة السياسة، يبدو أن حماس نجحت في تحويل معادلة القوة. فبعد عامٍ كامل من العدوان الوحشي على غزة، استطاعت المقاومة أن تثبت أن من يملك زمام الميدان يملك الكلمة العليا في المفاوضات. فقد أظهرت الحركة استعدادها للمضي في صفقة تبادل شاملة تضمن الإفراج عن الأسرى من الجانبين، لكنها اشترطت “توفير الظروف الميدانية الآمنة” لإتمام العملية، ما يعكس إدراكها الدقيق لتوازن القوى ورفضها الانجرار إلى فخاخ سياسية.
هذا الوعي هو ما أثار إعجاب شخصيات فلسطينية عديدة، بينها أحمد غنيم، أمين سر لجنة المتابعة في المؤتمر الوطني الفلسطيني، الذي وصف ردّ حماس بأنه “استعادة للقرار الوطني الفلسطيني من محاولات الالتفاف الإسرائيلية”، مشيرًا إلى أن الحركة “قدّمت مدخلاً واقعياً للتعامل مع القضايا الكبرى انطلاقاً من الثوابت الوطنية، واستناداً إلى الشرعية الدولية”.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف أحبط المساعي الأمريكية لجرّ الفصائل الفلسطينية إلى صدام داخلي حول الخطة، كما أربك حسابات الاحتلال الذي كان يعوّل على انقسام الصف الفلسطيني لإحكام سيطرته السياسية بعد الدمار الميداني. فبدلاً من الانقسام، جاءت الدعوات من داخل وخارج فلسطين تؤكد على “أوسع التفاف وطني” خلف المقاومة، بما يشمل القوى الشعبية والرسمية، وهو ما يعيد إنتاج الحالة الفلسطينية الجامعة التي افتقدتها الساحة منذ سنوات.
نحو وحدة وطنية شاملة وتوازن جديد في الإقليم
في هذا السياق، دعا المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج إلى تشكيل “جبهة وطنية فلسطينية موحدة” تضم كافة الفصائل تحت مظلة جامعة، تكون قادرة على مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، وصياغة رؤية مشتركة لمرحلة ما بعد الحرب. وأكد المؤتمر أن الشعب الفلسطيني في غزة “ما زال صامداً رغم الجراح”، وأن صموده هو “الدرع الحقيقي لمشروع التحرير”.
كما شدّد المؤتمر الوطني على ضرورة أن تتحمّل السلطة الفلسطينية مسؤولياتها تجاه هذه اللحظة التاريخية، داعياً إياها إلى عدم الرضوخ للابتزاز الأمريكي أو الإغراءات الاقتصادية التي تسعى واشنطن من خلالها إلى كسر إرادة الفلسطينيين. وأكد أن موقف حماس الأخير “يفتح نافذة أمل لوحدة الصف”، خاصة بعد أن أكّد البيان أن تسليم إدارة غزة لحكومة تكنوقراط فلسطينية “سيتم وفق التوافق الوطني وبدعم عربي وإسلامي”، وهي صيغة تمنح الجميع مساحة مشتركة دون إقصاء.
من جهة أخرى، جاء الموقف الأمريكي، على لسان الرئيس دونالد ترامب نفسه، ليعترف ضمنياً بنجاح حماس في إدارة المشهد. فترامب قال إن الحركة “أظهرت استعدادها لسلام دائم” في ردها على مقترحه، داعياً إسرائيل إلى وقف القصف فوراً من أجل “إخراج الرهائن بسرعة وأمان”. هذا التحول في نبرة واشنطن، وإن بدا تكتيكياً، إلا أنه يعكس حقيقة أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيقوّي المقاومة بدل أن يضعفها، ويضع إسرائيل في مواجهة معزولة دولياً.
خاتمة: المقاومة تنتصر دبلوماسيًا
هكذا، بين الميدان والدبلوماسية، فرضت المقاومة الفلسطينية معادلة جديدة قوامها “الندية لا التبعية”. لقد جاء ردّ حماس على خطة ترامب متوازنًا ومدروسًا، حافظ على المبادئ وفتح باب الحوار، فحصد إجماعاً وطنياً قلّ نظيره في السنوات الأخيرة. دعم “فلسطينيو الخارج” و”الوطني” لهذا الموقف لم يكن مجاملة، بل تعبيراً عن وعي جمعي بأن هذه اللحظة تتطلب الالتفاف لا الانقسام، والوحدة لا الاصطفاف.
لقد أثبتت غزة، مجدداً، أن المقاومة ليست مجرد فعل عسكري، بل رؤية سياسية قادرة على المناورة وكسب الشرعية. ومع انكشاف ضعف الرواية الأمريكية وارتباك نتنياهو داخلياً، تبدو الساحة الفلسطينية أمام فرصة نادرة لإعادة صياغة مشروعها الوطني على أسس جديدة: مقاومة صامدة، موقف سياسي متّزن، ووحدة وطنية تمتد من غزة إلى الشتات.
إنها لحظة انتصارٍ للوعي الفلسطيني، بقدر ما هي صفعةٌ لمشاريع التصفية والتطبيع.
اقرأ أيضًا : احتجاجات الشباب في المغرب.. رسائل الغضب تصل إلى الحكومة وسط صعوبات الحوار