من اليمن، البلد الذي يعاني ويلات الحرب والحصار، تنطلق صواريخ وطائرات مسيرة تضرب عمق “إسرائيل”، وتعطل أحد أكثر منشآتها حساسية: مطار بن غوريون الدولي.
في مشهد يعكس ليس فقط فشل منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بل أيضًا تآكل ما تبقى من “أسطورة الجيش الذي لا يُقهر”، أمام تصاعد غير مسبوق في تهديدات جبهة لم تكن يومًا حاضرة بهذا الثقل في الحسابات الأمنية لتل أبيب.

أزمة بنيوية.. ضربة من السماء تعطل الشريان الجوي
في تطور أمني لافت، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعليق الملاحة الجوية في مطار بن غوريون مساء الأربعاء، عقب إطلاق صاروخ من الأراضي اليمنية. وأفادت القناة 12 العبرية أن عمليات الإقلاع والهبوط توقفت مؤقتًا، بينما دوّت صفارات الإنذار في منطقة البحر الميت، في إشارة إلى فشل تام في اعتراض الهجوم قبل وصوله مرحلة الخطر.
ورغم إعلان جيش الاحتلال “اعتراض التهديد”، إلا أن قرار تعليق الحركة الجوية، حتى لو مؤقتًا، يكشف عن هشاشة خطيرة في منظومة الردع والدفاع التي لطالما تغنت بها إسرائيل، وخصوصًا في منشآت استراتيجية مثل المطارات. في حين أكد المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، أن العملية جاءت ضمن 3 هجمات متزامنة استهدفت مطار اللد (بن غوريون) ومنطقة النقب وميناء أم الرشراش (إيلات)، وهو ما يُشكل تطورًا نوعيًا في قدرات الجماعة من حيث التنسيق والتخطيط والتأثير الجيوسياسي.
تحالف الحوثيين والمقاومة الفلسطينية.. كابوس تل أبيب الجديد
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، تبنّت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) خطابًا عسكريًا داعمًا للمقاومة الفلسطينية، ونفذت عشرات الهجمات البحرية والجوية على أهداف إسرائيلية ومصالحها، في البحر الأحمر وداخل فلسطين المحتلة. اللافت أن هذه الهجمات لم تعد رمزية، بل باتت تحدث أثرا ماديا ملموسا، سواء عبر إغلاق الموانئ أو تعطيل الملاحة الجوية، كما حدث اليوم.
وقد أعلنت الجماعة سابقًا عن فرض حظر جوي على مطار بن غوريون، وحظر بحري على ميناءي إيلات وحيفا، في خطوة غير مسبوقة من جهة تقع على بعد آلاف الكيلومترات، لكنها استطاعت قلب الطاولة على إسرائيل في خاصرتها الجنوبية، وربما تغيير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بأكمله.
ومع التصعيد الحوثي، يظهر عمق المأزق الإسرائيلي، الذي بات محاصرًا ليس فقط من غزة ولبنان، بل الآن من اليمن أيضًا، فيما تُحجم واشنطن عن الانخراط المباشر في حرب مع الحوثيين، خشية توسيع نطاق الصراع الإقليمي إلى ما هو أبعد من غزة وإسرائيل.
ميناء إيلات.. عندما يتحول التهديد إلى شلل اقتصادي
ليس بعيدًا عن مطار بن غوريون، جاءت الأنباء التي تؤكد توقف ميناء إيلات عن العمل اعتبارًا من الأحد القادم، وذلك بسبب تراكم ديون تتجاوز 10 ملايين شيكل (3 ملايين دولار)، نتيجة انخفاض حاد في الإيرادات بسبب الحصار البحري الذي تفرضه جماعة الحوثي. فقد باتت السفن التجارية تتحاشى المرور عبر البحر الأحمر، وفضلت المرافئ الإسرائيلية الأخرى على المتوسط، مثل حيفا وأسدود، ما أفقد إيلات أهميته كمرفق لوجستي.
وكان الميناء يعتمد بشكل رئيسي على استيراد السيارات وتصدير الأسمدة، وهو ما توقف إلى حد كبير منذ أكتوبر الماضي. وتُظهر هذه الخسائر أن الهجمات الحوثية لم تعد مسألة عسكرية فحسب، بل باتت حرب استنزاف اقتصادية تُهدد البنى التحتية والمنشآت الحيوية للاحتلال.
أكذوبة “الجيش الذي لا يُقهر” تتهاوى أمام الطائرات المسيرة
أخطر ما تكشفه هذه التطورات ليس فقط حجم الأضرار المباشرة، بل انهيار سردية الاحتلال التي لطالما روّجت لقدرة جيشها على التعامل مع التهديدات من أي مكان. فاليوم، لم تنجح القبة الحديدية ولا منظومات “مقلاع داوود” و”السهم” في توفير الغطاء الأمني اللازم، حتى في مطار بن غوريون، أحد أبرز رموز “السيادة الإسرائيلية”.
لقد باتت إسرائيل تخوض حروبًا متعددة على جبهات متباعدة، فيما تبدو غير قادرة على إنهاء أي منها أو تحقيق نصر حاسم في غزة، وهو ما يُصيب منظومتها العسكرية بترهل نفسي ومعنوي قبل أن يكون لوجستيا. ويبدو أن المقاومة من غزة إلى اليمن لم تعد تخشى التهديدات الإسرائيلية، بل باتت تبادر بالضرب وتفرض معادلات ردع جديدة على الأرض.
خاتمة تحليلية: من غزة إلى صنعاء.. “إسرائيل” محاصرة من السماء
في ظل الفشل في غزة، والعجز في لبنان، والعزلة في المحافل الدولية، تأتي الضربة من اليمن لتُكمل مثلث السقوط. تعليق الملاحة في مطار بن غوريون اليوم ليس حادثًا عرضيًا، بل مؤشرًا استراتيجيا على اهتزاز الأمن الإسرائيلي في العمق. كما أن خسارة ميناء إيلات، وتراكم الديون عليه، تُظهر أن الحصار الذي فرضه الحوثيون لم يعد رمزيا، بل بات يُغيّر شكل الحركة الاقتصادية في البلاد.
وبينما لا تزال المقاومة في غزة صامدة تحت النار، ومن خلفها حلفاء كالحوثيين يفتحون جبهات غير متوقعة، فإن أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” تبدو أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع، في وقت تتوالى فيه الضربات وتتساقط فيه هيبة الردع يوما بعد آخر.
اقرأ أيضًا : عباس يلتزم بالصمت.. هجمات المستوطنين تتصاعد والأمم المتحدة تندد بجرائم التهجير في الضفة