كشفت تقارير حديثة لمجلة نيويوركر عن اتساع الفجوة بين يهود الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، مع تصاعد الخلافات حول الحرب التي تشنها تل أبيب في قطاع غزة، وما يترتب عليها من تداعيات إنسانية وسياسية. هذه الانقسامات تتجاوز مجرد الاختلاف في الرأي، لتصل إلى تأثير ملموس على الهوية اليهودية، القيم الأخلاقية، والعلاقات داخل المجتمعات اليهودية الأمريكية.

وتشير المجلة إلى أن هذه الخلافات أصبحت أكثر وضوحًا في المعابد اليهودية عبر الولايات المتحدة، حيث تعكس التوترات الحالية انقسامات عميقة حول الدعم غير المشروط لإسرائيل، وتداعيات الحرب على المدنيين في غزة. في حين يصر بعض اليهود على موقف مؤيد لإسرائيل بشكل كامل، يرى آخرون أن حجم المعاناة الإنسانية في القطاع المحتل يتطلب مراجعة نقدية للمواقف التقليدية، وموازنة بين الولاء لإسرائيل والمبادئ الأخلاقية اليهودية.

تجليات الانقسام في الكنائس والمعابد اليهودية

أحد أبرز الأمثلة على هذا الانقسام كان في مجمع بيت إيل بنيوجيرسي، حيث رفع العضو ناثانيال فيلدر لافتة كتب عليها: “المجاعة تتعارض مع القيم اليهودية: دعمنا لإسرائيل لا يمكن أن يكون غير مشروط”، ردًا على لافتة أخرى داخل الكنيس تقول: “نحن نقف مع إسرائيل وندعو من أجل السلام”. أدى ذلك إلى تدخل الشرطة بعد تلقي شكاوى، حيث تم تحذير فيلدر من عدم حقه في عرض اللافتة دون إذن.

وأكد فيلدر لاحقًا أن الدعم غير المشروط لإسرائيل يُهدد بتجاهل الأزمة الإنسانية في غزة، ويتناقض مع المبادئ الأخلاقية الأساسية في اليهودية. وقد ألغى الكنيس أيضًا محاضرة كان مقررًا أن يلقيها أندرو ويليك، الذي كان ينوي وصف لقاء مع مستوطن مرتبط بهدم مدرسة فلسطينية في الضفة الغربية، ما دفعه إلى إعادة النظر في فهمه لليهودية والصهيونية.

الصمود الفلسطيني وإحباط جمهور الاحتلال

تسلط الخلافات الضوء أيضًا على صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، وهو ما يزيد الإحباط لدى جمهور الاحتلال ويثير نقاشًا داخليًا في المجتمعات اليهودية الأمريكية حول أخلاقيات الحرب والالتزام بالقيم الإنسانية. وفي استطلاع حديث أجرته صحيفة واشنطن بوست في تشرين الأول/أكتوبر، وجد أن 46% من اليهود الأمريكيين أيدوا الحرب، بينما عارضها 48%، فيما اعتقد 39% منهم أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.

ويشير التقرير إلى أن بعض الحاخامات الأمريكيين أعربوا عن انتقاداتهم للعدوان الإسرائيلي على غزة في جلسات خاصة، لكنهم امتنعوا عن الإدلاء بها علنًا بسبب ضغوط المجتمع والمخاوف من العزلة. وقالت الحاخامة الكبرى في كنيس إيكار بلوس أنجلوس، شارون بروس، إن الانتقادات في الأوساط المؤيدة لإسرائيل غالبًا ما تُقابل بدائرة مفرغة من الدفاع عن تل أبيب، وتشتيت الانتباه، وإدانة المعارضة، مما يزيد من حدة الانقسام ويعمّق الاستقطاب.

انعكاسات الأزمة على الهوية والقيم اليهودية

تشير الأحداث الأخيرة إلى أن الانقسامات حول غزة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت مسألة تتعلق بالهوية والقيم اليهودية نفسها. دعم إسرائيل غير المشروط أصبح موضع نقاش أخلاقي وجدل ديني، بينما تستمر مأساة المدنيين الفلسطينيين في غزة في اختبار ضمائر المجتمع اليهودي الأمريكي. ويبرز هذا التوتر بشكل خاص في النقاشات حول كيفية الموازنة بين الولاء لإسرائيل والالتزام بالمبادئ الأخلاقية اليهودية، وهو ما يطرح تساؤلات أوسع عن مستقبل العلاقات بين اليهود الأمريكيين ودولة الاحتلال في ضوء النزاع المستمر.

في النهاية، تكشف هذه الخلافات عن عمق الانقسام داخل المجتمع اليهودي الأمريكي بين من يركز على الولاء لإسرائيل، ومن يضع الحقوق الإنسانية والقيم الأخلاقية في صدارة أولوياته، وهو ما يعكس أزمة أوسع حول القيم والهوية في مواجهة الصراعات الإقليمية، ويجعل النقاش حول غزة مسألة مركزية في المجتمعات اليهودية في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران