منذ عقود طويلة، تسعى قوات الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على المقاومة الفلسطينية عبر الاغتيالات التي تطال قادتها ومقاتليها، ظنًّا منها أن قطع رأس القيادة كفيل بإنهاء المسيرة الكفاحية.
غير أن التجربة التاريخية أثبتت فشل هذا الرهان، إذ باتت المقاومة أكثر صلابةً وامتدادًا، وازداد تمسك الشعب الفلسطيني بخيار الكفاح المسلح والتحرر الوطني.
ورغم استشهاد العديد من القادة العسكريين والسياسيين البارزين، فإن روح المقاومة لم تضعف، بل ازدادت اشتعالًا، كما تجلّى ذلك في استشهاد محمد الضيف، الذي يعدّ أحد أبرز قادة كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس.

المقاومة حية رغم الاغتيالات
الاحتلال الإسرائيلي لجأ إلى سياسة التصفية الجسدية لرموز المقاومة بهدف تفكيك بنيتها التنظيمية وشل قدرتها على الردع، إلا أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها، وخير مثال على ذلك الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، الذي اغتيل عام 2004 بغارة جوية إسرائيلية، ظنًّا أن ذلك سينهي فكر المقاومة، إلا أن الحركة ازدادت قوة، وخرج منها قادة جدد استمروا في قيادة المعركة.
كذلك كان الحال مع الشهيد عماد عقل، القائد القسامي الشاب الذي أرعب الاحتلال بعملياته الفدائية قبل أن يُغتال عام 1993، لكنه أصبح أيقونةً لمقاتلي القسام، وكان نهجه إلهامًا لجيل جديد من الاستشهاديين.
أما صلاح شحادة، القائد العام لكتائب القسام، اغتيل عام 2002 في مجزرة بشعة استخدم فيها الاحتلال قنبلة تزن طنين وأدت إلى استشهاد 15 فلسطينيًا، بينهم أطفال ونساء. إلا أن استشهاده لم يوقف المقاومة، بل أسهم في تطورها، وسرعان ما خلفه قادة آخرون واصلوا تطوير قدرات المقاومة الصاروخية.
كذلك كان الأمر مع أحمد الجعبري، قائد أركان كتائب القسام، الذي اغتيل عام 2012، لكن عملية “حجارة السجيل” التي أعقبت اغتياله جاءت برد قاسٍ أربك الاحتلال وأكد استمرار المقاومة رغم استهداف قادتها.
أما إسماعيل هنية، الذي تعرض لمحاولات اغتيال متعددة، فقد استمر في دوره القيادي لحماس سياسيًا وعسكريًا، وساهم في تعزيز التحالفات الإقليمية والدولية لصالح المقاومة، مما زاد من قدرة الحركة على الصمود رغم الضغوط والضربات.
الشعب يراهن على المقاومة
السبب الرئيس وراء استمرار المقاومة هو أن القضية الفلسطينية ليست مرتبطة بأفراد، بل هي قضية شعب بأكمله، يحمل لواء التحرير جيلًا بعد جيل. كما أن الفصائل الفلسطينية، لا سيما حماس وكتائب القسام، تبنت سياسات تنظيمية تضمن استمرارية العمل المقاوم، عبر بناء أجيال جديدة مدربة ومؤهلة على القيادة. فكلما اغتالت إسرائيل قائدًا، ظهر بديله بسرعة فائقة، وغالبًا بقدرات أعظم وخبرات أكثر تطورًا.
إضافة إلى ذلك، فإن المجتمع الفلسطيني نفسه يشكل بيئة حاضنة للمقاومة، حيث تُعتبر دماء الشهداء وقودًا لإذكاء روح الجهاد والمقاومة. لم تفلح إسرائيل في كسر عزيمة الشعب الفلسطيني، بل إن التصعيد الإسرائيلي يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية، حيث تتوحد الفصائل الفلسطينية وتتسع رقعة التضامن الشعبي مع المقاومة.
من ناحية أخرى، فإن تطور التكتيكات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، سواء في تصنيع الصواريخ أو تنفيذ العمليات النوعية، يجعل من الصعب على الاحتلال القضاء عليها. ففي الوقت الذي كانت فيه المقاومة تعتمد على العمليات الفردية في بداياتها، أصبحت اليوم تمتلك منظومة عسكرية متكاملة تتحدى الاحتلال وتفرض عليه معادلات جديدة، رغم كل المحاولات لكسر شوكتها.
الإعلام المقاوم كان له دور كبير في إبراز الجرائم الإسرائيلية وتسليط الضوء على نضال الشعب الفلسطيني. فقد ساعدت التغطية الإعلامية العالمية على كشف الانتهاكات الإسرائيلية، ما دفع العديد من الشعوب إلى إعلان تضامنها مع القضية الفلسطينية. ورغم محاولات الاحتلال تشويه صورة المقاومة عبر ادعاءات الإرهاب، فإن الرأي العام العالمي بدأ يدرك أن هذه المقاومة حق مشروع لشعب يرزح تحت الاحتلال.
كما أن التحركات الشعبية في العديد من الدول أثبتت أن القضية الفلسطينية ما زالت حية، حيث نظمت مظاهرات ضخمة تضامنية مع غزة والضفة الغربية خلال العدوان الإسرائيلي المتكرر. علاوة على ذلك، فإن حملات المقاطعة الاقتصادية والثقافية لإسرائيل مثل حركة BDS ساهمت في إلحاق أضرار اقتصادية وسياسية بكيان الاحتلال، ما شكل ضغطًا متزايدًا عليه.
أثر خطير على الداخل
إن تواصل العمليات العسكرية للمقاومة جعل الاحتلال يعيش حالة من الاضطراب الداخلي، حيث باتت القيادات السياسية والعسكرية في إسرائيل في مواجهة انتقادات حادة بسبب فشلهم في القضاء على المقاومة رغم استخدامهم لأساليب القمع والاغتيالات.
كما أن تصاعد العمليات الفدائية في الداخل الفلسطيني المحتل أثبت أن الفلسطينيين، حتى في الأراضي المحتلة عام 1948، لا يزالون جزءًا من معادلة المواجهة، لكن الاحتلال الإسرائيلي أصبح اليوم أكثر إدراكًا أن الحلول العسكرية لن تفلح في كسر شوكة المقاومة، وهذا ما يظهر في تصريحات قادته الذين باتوا يتحدثون عن ضرورة البحث عن حلول سياسية، رغم أن سياساتهم الاستيطانية والتوسعية تدفع الأمور إلى مزيد من التصعيد.
الخلاصة أنه رغم استشهاد قادة بارزين على مدار عقود، فإن المقاومة الفلسطينية لم تضعف ولم تستسلم، بل تطورت وتوسعت. وأثبتت الوقائع أن الاحتلال مهما استخدم من وسائل البطش والقوة الغاشمة، فلن يتمكن من قتل روح المقاومة في نفوس الفلسطينيين. وكما قاوم الشعب الفلسطيني المحتلّين عبر التاريخ، سيبقى مستمرًا في مقاومته حتى ينال حريته الكاملة. فقد سقط الشهداء، لكن الشعلة لم تنطفئ، بل ازدادت وهجًا، وبقيت المقاومة قائمة كخيار لا رجعة عنه حتى دحر الاحتلال وتحقيق النصر.