يقف قطاع غزة مجددًا على حافة كارثة إنسانية جديدة، مع إعلان “المطبخ المركزي العالمي” عزمه التوقف عن العمل خلال أيام إذا لم يُستأنف تدفق الإمدادات الغذائية بشكل منتظم ومستدام. وبينما يقدم المطبخ نحو مليون وجبة يوميًا للفلسطينيين في القطاع، تؤكد الجهات المحلية أن العراقيل الإسرائيلية المفروضة على إدخال المواد التموينية باتت تهدد بشلّ أحد أهم شرايين الإغاثة في غزة، في وقت يعتمد فيه السكان بشكل شبه كامل على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أشار إلى أن عدد الشاحنات المسموح بإدخالها لصالح المطبخ تقلّص من 25 شاحنة يوميًا إلى خمس فقط، وهو ما انعكس مباشرة على قدرته التشغيلية. هذا التقليص لا يُعد مجرد إجراء إداري أو لوجستي، بل يُنظر إليه باعتباره خنقًا متعمدًا لسلسلة التوريد الإنسانية، في ظل أزمة غذائية خانقة يعيشها أكثر من 2.4 مليون فلسطيني.
المطبخ المركزي العالمي نفسه أكد أنه يحتاج إلى دخول ما لا يقل عن 20 شاحنة يوميًا للحفاظ على وتيرة الوجبات الحالية، مشيرًا إلى أن ما يدخل فعليًا لا يمثل سوى جزء بسيط من الاحتياج. ومع استمرار القيود، فإن مخزونه الغذائي يتآكل تدريجيًا، ما يعني أن التوقف لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل سيناريو وشيكًا إذا لم تتغير المعادلة الميدانية.

ضغوط لتغيير مسار الإمداد… وتعقيد العمل الإنساني
إلى جانب تقليص الشاحنات، تحدثت جهات رسمية في غزة عن ضغوط تمارس على المطبخ لشراء المواد الخام من داخل دولة الاحتلال بدلًا من استيرادها عبر شحنات قادمة من مصر، كما كان معمولًا به سابقًا. هذا التحول لا يقتصر أثره على زيادة الكلفة المالية، بل يغير طبيعة العمل الإنساني برمّته، ويضعه في إطار جديد تحكمه شروط سياسية واقتصادية أكثر تعقيدًا.
إجبار المؤسسات الإغاثية على تعديل مصادر تموينها، وفق معايير يحددها الاحتلال، يُفقد العملية الإنسانية استقلاليتها، ويجعلها رهينة ترتيبات لا تخلو من أبعاد ضغط ومساومة. كما أن هذا المسار يطيل زمن التوريد ويضاعف الإجراءات البيروقراطية، في وقت يحتاج فيه سكان غزة إلى استجابة عاجلة وفورية، لا تحتمل التأخير أو التعقيد.
وتأتي هذه التطورات في سياق حصار مستمر لم يتوقف رغم انتهاء الحرب باتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025. فالمعابر لا تزال تخضع لقيود مشددة، وحركة الأفراد والبضائع تمر عبر منظومة تفتيش وتحكم تُبطئ التدفق الإنساني وتُبقيه تحت سقف منخفض لا يتناسب مع حجم الاحتياج الفعلي.
مليون وجبة يوميًا… شريان حياة مهدد
خلال حرب الإبادة التي بدأت في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لعب المطبخ المركزي العالمي دورًا محوريًا في سد جزء من الفجوة الغذائية التي خلفها الدمار الواسع للبنية التحتية المدنية. فقد طالت الهجمات نحو 90 بالمئة من المنشآت المدنية، بما في ذلك الأسواق والمخابز والمزارع ومرافق التخزين، ما جعل قدرة القطاع على إنتاج الغذاء محليًا شبه معدومة.
في هذا السياق، شكّل تقديم نحو مليون وجبة يوميًا شريان حياة لمئات آلاف العائلات التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها، وتحولت إلى نازحين يعتمدون بالكامل على المساعدات. لكن هذا الشريان بات اليوم مهددًا، ليس بسبب نقص التمويل أو ضعف الجاهزية، بل نتيجة تعطيل ممنهج لسلسلة التوريد.
كما أن المطبخ لم يسلم من الاستهداف خلال الحرب، إذ قُتل عدد من العاملين فيه، وتوقفت عملياته مرات عدة بسبب منع إدخال شاحناته المحملة بالمواد الغذائية. هذه السوابق تعكس هشاشة البيئة التي يعمل فيها، وتوضح أن أي اضطراب جديد في الإمدادات قد يترجم سريعًا إلى انقطاع في الوجبات.
مؤشرات مجاعة… ومسؤولية قانونية
التحذيرات من تفاقم الأزمة لا تنطلق من فراغ. فبيانات سابقة للبنك الدولي أكدت أن سكان غزة تحولوا إلى فقراء بفعل الحرب والحصار، مع تراجع حاد في القدرة الشرائية وغياب شبه كامل لفرص العمل. ومع استمرار القيود على إدخال الغذاء، ترتفع احتمالات الانزلاق نحو مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي.
المكتب الإعلامي في غزة شدد على أن مسؤولية منع تفاقم الأزمة تقع على عاتق الاحتلال، باعتباره الجهة التي تقيد الإمدادات الإنسانية، في مخالفة لأحكام القانون الدولي الإنساني الذي يوجب ضمان وصول المساعدات إلى المدنيين دون عوائق. كما دعا وسائل الإعلام إلى تناول الملف بمهنية ومسؤولية، بعيدًا عن التهويل، مع التركيز على جذور الأزمة المتمثلة في تعنت الاحتلال وقيوده المستمرة.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن توقف “المطبخ المركزي العالمي” لن يكون مجرد خبر عابر، بل نقطة تحول خطيرة في المشهد الإنساني في غزة. فالمسألة لا تتعلق بمؤسسة بعينها، بل بمنظومة إغاثة كاملة باتت تعمل عند الحد الأدنى من الإمكانات، تحت سقف قيود مشددة.
إذا استمرت العراقيل الحالية، فإن القطاع قد يشهد خلال أسابيع تراجعًا حادًا في كميات الغذاء المتاحة، وارتفاعًا في معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء. وعندها، لن يكون الحديث عن أزمة محتملة، بل عن مجاعة تتشكل ملامحها تدريجيًا تحت وطأة حصار لم يتغير جوهره رغم توقف العمليات العسكرية الواسعة.
بين تعنت الاحتلال وحاجة السكان الماسة، يبقى السؤال معلقًا: هل يُسمح لشريان الإغاثة بالاستمرار، أم يُترك أكثر من مليوني إنسان لمصير يتفاقم يومًا بعد يوم؟
اقرأ أيضًا : اعتراف إسرائيلي بذكاء المقاومة وخطوط حمراء متأخرة في غزة