في خطوة وصفت بالمفاجئة والصادمة، أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في السعودية يوم الأحد عن جملة من الضوابط الصارمة لتنظيم المحتوى الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي. 

القرار، الذي بدا للبعض امتدادًا لنهج محمد بن سلمان في السيطرة على الفضاء العام، يحمل في طياته مزيجًا من القيود الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، ويهدد مباشرةً النشاط الذي يعتمد عليه آلاف المؤثرين ومشاهير “سناب شات” و”تيك توك” و”إنستغرام” في المملكة.

ضوابط ظاهرها أخلاقي وباطنها سياسي

اللوائح الجديدة جاءت تحت لافتة “حماية القيم الوطنية والأخلاقية”، لكنها تتضمن خطوطًا حمراء تُقيد بشكل مباشر حرية التعبير الفردي والجماعي. من بين أهم البنود:

  • حظر التنمر والتحريض على العنف: وهو بند يبدو في ظاهره إيجابيًا، لكنه قد يُستخدم كذريعة لإسكات أي خطاب ناقد للسلطة أو مؤسسات الدولة، تحت تهمة “التحريض”.

  • منع استغلال الأطفال والخادمات في أي محتوى، سواء للإعلانات أو الترويج. هذا القرار تحديدًا يضرب في الصميم قطاعًا واسعًا من مشاهير السعودية الذين جعلوا حياتهم العائلية والخدمية مادة يومية لجذب المتابعين وزيادة الأرباح.

  • ضوابط المظهر والملابس: حظر الملابس الكاشفة أو الضيقة أو الشفافة، ما يعني فرض رؤية محافظة على كافة أنواع المحتوى المرئي، حتى الترفيهي منه.

بهذا الشكل، وضعت السلطات حدودًا صارمة لأي إنتاج بصري، ليصبح خاضعًا لمعايير “الالتزام بالمعايير الثقافية والدينية”، وهي معايير تُحددها الدولة لا الأفراد.

ضربة موجعة لمشاهير المنصات

منذ سنوات، أصبح “سناب شات” و”تيك توك” بمثابة التلفزيون الجديد في السعودية، حيث يتابع الملايين يوميات شخصيات عائلية توثق تفاصيل حياتها ومع صدور هذه الضوابط، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خطر فقدان جمهورهم أو حتى تعرضهم للملاحقة القانونية.

الأكثر تضررًا هنّ المدونات والمؤثرات اللواتي يقدمن محتوى يعتمد على الملابس العصرية أو السفر أو الترفيه، إذ ستجد الكثير منهن أن ما يقدمنه لم يعد متوافقًا مع “الذوق الرسمي” الذي تفرضه اللوائح.

إضافة إلى ذلك، فإن قرار منع تصوير الخادمات يفضح جانبًا آخر من الواقع السعودي: فقد استخدم العديد من المؤثرين العاملات المنزليات كعنصر ترفيهي أو دعائي، وهو ما ستعتبره السلطات الآن انتهاكًا يعاقب عليه القانون وليس من قبل!.

بن سلمان والتحكم في فضاء التعبير

توقيت القرار لا يمكن عزله عن مسار سياسي أشمل يقوده محمد بن سلمان منذ توليه ولاية العهد. الرجل الذي وعد بإصلاحات اجتماعية وانفتاح اقتصادي، يسعى في الوقت ذاته إلى إحكام السيطرة على كل منافذ التعبير.

في السابق، كان التضييق مركّزًا على الصحافة التقليدية والفضائيات، أما اليوم فالمعركة انتقلت إلى المجال الرقمي، حيث تشكّل المنصات الاجتماعية أكبر تهديد لخطاب السلطة الرسمية.

الضوابط الجديدة ليست مجرد حماية من “المحتوى الضار”، بل هي محاولة واضحة لـ:

  1. إعادة هندسة المشهد الرقمي بما يتماشى مع سردية الدولة.
  2. إخضاع المؤثرين الذين يمتلكون ملايين المتابعين، وتحويلهم إلى أدوات دعاية مقنّعة بدلًا من أن يكونوا منصات مستقلة للرأي.
  3. منع بروز شخصيات غير مرغوبة قد تتحول إلى قوى اجتماعية أو سياسية لها تأثير يتجاوز الترفيه.

فترة انتقالية.. ومقصلة رقمية

بحسب بيان وزارة الإعلام، ستُمنح فترة انتقالية مدتها 30 يومًا للمحتوى الموجود مسبقًا للتوافق مع الضوابط. لكن هذه المهلة تبدو أقرب إلى “إنذار أخير” للمؤثرين: إمّا الانصياع وتعديل المحتوى بما يتناسب مع اللوائح، أو مواجهة الحجب والغرامات وربما الاعتقال.

التجارب السابقة تشير إلى أن السلطات السعودية لم تتساهل في فرض قيود مشابهة. من حملات اعتقال ناشطين وصحفيين إلى ملاحقة المغردين، كلها نماذج تؤكد أن الرقابة الرقمية ستكون شاملة وحازمة، خصوصًا مع تطوير آليات المراقبة الإلكترونية التي تتيح كشف الانتهاكات بشكل آلي.

ربط بالسياسة الكبرى: رؤية 2030 كسيف ذو حدين

المتحدث باسم وزارة الإعلام، أحمد الخماش، برر القرار بأنه “يبني بيئة رقمية إيجابية تدعم رؤية المملكة 2030”. لكن قراءة أعمق تكشف أن رؤية 2030 أصبحت مظلة تُبرَّر تحتها كل أشكال السيطرة على المجتمع.

فبينما تهدف الرؤية إلى تحديث الاقتصاد، فإنها تسعى أيضًا إلى ضمان أن أي تحول اجتماعي أو ثقافي لا يخرج عن سيطرة الدولة. بمعنى آخر، الانفتاح مقبول فقط في الإطار الذي ترسمه السلطة، أما أي محتوى يتحدى المعايير الرسمية فسيُعتبر تهديدًا.

الخلاصة: رقابة بوجه عصري

الضوابط السعودية الجديدة تُقدَّم كإصلاح أخلاقي، لكنها في الحقيقة جزء من استراتيجية القمع الرقمي التي يتبناها محمد بن سلمان. هي محاولة لتكميم الأفواه داخل الفضاء الإلكتروني كما كُممت في الإعلام التقليدي.

المفارقة أن المنصات التي فتحت للسعوديين نافذة على العالم، تُغلق الآن عليهم من الداخل، ليجدوا أنفسهم بين مطرقة الرقابة وسندان الحاجة إلى البقاء في دائرة الضوء.

ويبقى السؤال: هل سينصاع مشاهير التواصل طوعًا للضوابط الجديدة، أم سيبتكرون طرقًا للتحايل عليها؟ الأكيد أن محمد بن سلمان لن يسمح بترك فضاء التواصل الاجتماعي بعيدًا عن قبضته الحديدية.

اقرأ أيضًا : أسطول الصمود تحت تهديد الطائرات المسيرة: استهداف جديد يكشف عقلية الاحتلال