في حادثة أعادت تسليط الضوء على ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أعلنت السلطات الأميركية احتجاز زوجة وأبناء المواطن المصري محمد صبري سليمان، المتهم بتنفيذ هجوم بزجاجات حارقة على مسيرة مؤيدة لإسرائيل في ولاية كولورادو.
وبينما يستعد القضاء لمحاكمته، تسارع الإدارة الأميركية إلى ترحيل أفراد أسرته، رغم أنهم لم يُتهموا بارتكاب أي جريمة، ما يثير تساؤلات حول مدى احترام السلطات الأميركية لمبدأ “الفردية في المسؤولية الجنائية” وحقوق الإنسان.

الحادثة وملابسات الهجوم
وقعت الحادثة مساء الأحد الماضي في مدينة بولدر بولاية كولورادو، حين ألقيت قنابل حارقة باتجاه متظاهرين خلال مسيرة داعمة لإسرائيل، أسفرت عن إصابة ثمانية أشخاص.
السلطات اتهمت المصري محمد صبري سليمان (45 عاماً) بتنفيذ الهجوم، ووجهت له اتهامات بالشروع في القتل، والاعتداء، وارتكاب جريمة كراهية، وفقاً لوثائق المحكمة الاتحادية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، اعترف سليمان خلال التحقيقات بأنه أراد “قتل جميع الصهاينة”، لكنه أجل تنفيذ خطته إلى ما بعد تخرج ابنته من المدرسة الثانوية.
ما يعكس دوافع أيديولوجية مرتبطة بحرب الإبادة في غزة، لكن هذا لا يبرر بأي حال استهداف أفراد أسرته قانونيًا أو إداريًا، طالما لم يُثبت تورطهم في الفعل أو علمهم به.
احتجاز العائلة.. سابقة خطيرة في ملف الهجرة
المفاجئ في القضية ليس فقط التهم الموجهة لسليمان، بل الإجراءات المتخذة بحق زوجته وأطفاله. فقد أعلنت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم أن وكالة الهجرة والجمارك ICE احتجزت العائلة وتعمل على ترحيلها سريعاً. وأكد البيت الأبيض هذه الخطوة، مشيراً إلى أن عملية الترحيل قد تتم خلال ساعات.
وزيرة الأمن الداخلي ألمحت إلى أن التحقيقات تشمل “مدى معرفة العائلة بالهجوم”، ما يوحي بأن الاحتجاز لا يستند إلى أدلة جنائية بل إلى افتراضات أمنية وسياسية، وهو أمر خطير قانونيًا.
إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الخمسة بينهم مراهقان لم توجه لهم أي تهم، وورد أنهم “تعاونوا مع المحققين”، بحسب الإعلام المحلي.
مثل هذه الخطوة تفتح الباب أمام سياسة عقابية جماعية بحق أقارب المتهمين في جرائم ذات طابع سياسي، وهو أمر لطالما أدانته واشنطن حين يُمارس من قبل أنظمة عربية أو آسيوية، لكنه يظهر هنا على يد أكبر دولة تدعي حماية الحريات.
الهجوم بين الشعارات السياسية واستغلال ملف الهجرة
الملف سرعان ما تحوّل إلى أداة سياسية في المعركة الانتخابية الداخلية. فقد سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استغلال الحادث لمهاجمة سياسات الهجرة التي انتهجها الرئيس السابق جو بايدن.
ترامب قال إن الهجوم كان نتيجة “سياسة الحدود المفتوحة”، ووصفه بـ”المأساة المروعة”، متوعدًا بمحاسبة سليمان، وواصفًا الحادثة بأنها “دليل على فشل الديمقراطيين في حماية الأميركيين”.
الخطاب التصعيدي لترامب، رغم أنه متوقع، يشير إلى استخدام الهجوم كوسيلة للترويج لسياسات منع الهجرة وتشديد الرقابة على طالبي اللجوء، ووصمهم مسبقًا بالإرهاب أو التهديد الأمني، علماً أن سليمان دخل بتأشيرة سياحية في أغسطس 2022، وقدم طلب لجوء في سبتمبر، وهو ما يندرج في إطار القنوات القانونية.
وفي المقابل، التزمت إدارة بايدن الصمت نسبياً إزاء انتقادات ترامب، لكنها لم تتردد في تنفيذ إجراءات احتجاز الأسرة، ما يكشف عن هشاشة الخط الفاصل بين الأمن وحقوق الإنسان حتى في ظل إدارة تقدم نفسها بوصفها “أكثر إنسانية”.
ازدواجية المعايير.. من غزة إلى كولورادو
اللافت في الحادثة ليس فقط وقوع هجوم عنيف، بل في الكيفية التي استُخدم فيها للتغطية على تناقضات كبرى. ففي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة تسليح الاحتلال الإسرائيلي وسط انتقادات دولية واسعة بشأن مجازر غزة، تجد نفسها تدين عنفًا فرديًا ضد مسيرة مؤيدة لإسرائيل، ثم تعاقب عائلة المتهم دون محاكمة.
أميركا، التي لطالما دانت السياسات العقابية الجماعية في الشرق الأوسط، تُمارسها اليوم داخل حدودها، في مثال حي على “القمع ذو الوجهين”: تندد بالاستبداد في الخارج، لكنها تسكت عن التنكيل الإداري بحق أسر لا تملك إلا طلب اللجوء.
ويبقى السؤال: هل باتت سياسات الترحيل السريعة أداة لتبييض صورة العدالة؟ أم أنها وسيلة لإرضاء جمهور انتخابي يميني على حساب مبادئ العدالة والقانون؟
وفي ظل هذا التناقض، تعكس هذه القضية أكثر من مجرد حادث فردي؛ إنها اختزال لوضع عالمي مشحون بالتمييز، حيث تتحوّل القوانين إلى أدوات للانتقام السياسي، ويُحاسب الأبرياء بجريرة الآخرين.
اقرأ أيضًا : بغطاء إماراتي.. الدعم السريع يهاجم بورتسودان بطائرات مسيّرة والجيش يتصدى