في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير، عادت القضية اليمنية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعد خطاب ناري ألقته الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان، هاجمت فيه الدور الإماراتي في اليمن، ودعت السعودية إلى استثمار التحولات الراهنة لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، بالتزامن مع احتفالات شعبية واسعة في محافظة تعز.
الخطاب لم يكن مجرد استذكار لثورة شعبية، بل قراءة سياسية معمقة لمسار الصراع، وتشخيص لأدوار إقليمية ساهمت – بحسب كرمان – في تفكيك الدولة وتمزيق النسيج الوطني.
![]()
ثورة فبراير: لحظة تأسيسية لصراع الدولة والوصاية
أكدت كرمان أن ثورة فبراير لم تكن حدثًا عابرًا، بل مثلت لحظة مفصلية كشفت جوهر الصراع في اليمن بين مشروع دولة حديثة قائمة على المؤسسات والقانون، وبين مشاريع استبدادية قائمة على السلاح والوصاية الخارجية.
وأشارت إلى أن خروج اليمنيين في 11 فبراير 2011 جاء بمطالب واضحة، أبرزها إقامة دولة المواطنة، وإخضاع السلطة للإرادة الشعبية، ورفض منطق القهر والعنف. واعتبرت أن الثورة لم تكن صراعًا على السلطة، بل صراعًا على معنى الدولة ووظيفتها، وعلى حق الشعب في إدارة شؤونه بحرية واستقلال.
إرث الاستبداد وصناعة الأزمات المزمنة
في حديثها عن جذور الأزمة، حمّلت كرمان نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح مسؤولية الانهيار المؤسسي، معتبرة أن الدولة تحولت في عهده إلى ملكية خاصة تُدار بالولاءات والقرابة والقبيلة.
وأوضحت أن العنف لم يكن طارئًا في عهده، بل كان جزءًا بنيويًا من نظام الحكم، حيث استخدم الحروب والصراعات الداخلية كوسيلة دائمة للبقاء في السلطة، ما أدى إلى إنهاك المجتمع وتفكيك مؤسسات الدولة.
الثورة المضادة والانقلاب على المسار الانتقالي
تطرقت كرمان إلى المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط رأس النظام، مؤكدة أنها شهدت إنجازات مهمة رغم قصورها، وكان اليمن على أعتاب انتقال سلمي عبر دستور وانتخابات.
غير أن هذا المسار – بحسب قولها – أُجهض بتحالف صالح مع جماعة الحوثي، في واحدة من أخطر عمليات الانقلاب السياسي في تاريخ البلاد، culminated باجتياح صنعاء في سبتمبر 2014، وإسقاط مؤسسات الدولة.
ورأت أن هذا الانقلاب جاء ضمن سياق إقليمي أوسع، تقاطعت فيه مصالح قوى الثورة المضادة لمنع قيام دولة يمنية مستقلة.
الدور الإماراتي: من الدعم إلى التفكيك
خصصت كرمان جزءًا كبيرًا من خطابها لانتقاد الدور الإماراتي، واعتبرته “الأخطر” على وحدة اليمن ومسار دولته.
وقالت إن تدخل أبوظبي لم يكن عارضًا أو مؤقتًا، بل جزءًا من مشروع متكامل لإعادة هندسة اليمن أمنيًا وسياسيًا، عبر السيطرة على الموانئ والجزر والسواحل، وبناء تشكيلات عسكرية موازية للدولة، ودعم كيانات انفصالية في الجنوب.
وأضافت أن هذا الدور نقل الإمارات من موقع مساندة الشرعية إلى موقع تقويضها، ومن مواجهة الانقلاب إلى صناعة انقلابات موازية، ما ساهم في تعميق الانقسام الجغرافي والسياسي، ودفع البلاد نحو مشاريع التقسيم.
السعودية أمام فرصة لإعادة تصحيح المسار
في المقابل، دعت كرمان المملكة العربية السعودية إلى اغتنام ما وصفته بـ”اللحظة التاريخية”، بعد تراجع الدور الإماراتي، معتبرة أن المشهد بات أكثر وضوحًا: دولة يمنية معترف بها دوليًا في مواجهة ميليشيا انقلابية مدعومة من الخارج.
وأشارت إلى أن النجاحات التي تحققت في محافظات مثل حضرموت وشبوة وعدن لم تكن صدفة، بل نتيجة تحول في إدارة المعركة، أسهم في استعادة ثقة الشارع اليمني بالدور السعودي.
وأكدت أن هذه الثقة تمثل عنصرًا حاسمًا لأي معركة سياسية أو عسكرية قادمة، وأن استثمارها قد يمهد الطريق لاستعادة صنعاء وبقية مؤسسات الدولة.
تعز تحتفي بالثورة وتحذر من طمس إرثها
بالتوازي مع خطاب كرمان، شهدت محافظة تعز احتفالات واسعة بذكرى الثورة، شملت إطلاق الألعاب النارية وإيقاد شعلة فبراير في قلعة القاهرة، في مشهد أعاد إلى الأذهان رمزية المدينة بوصفها مهدًا للحراك الثوري.
وفي بيان لمجلس شباب ثورة فبراير، جرى التحذير من محاولات تجاوز الثورة أو الالتفاف على مبادئها، مؤكدًا أن البلاد تقف أمام مفترق طرق تاريخي، إما استعادة الدولة أو الغرق مجددًا في دوامة الانقلابات.
وأشار البيان إلى خطورة المشاريع الخارجية التي تسعى لتحويل اليمن إلى ساحة نفوذ، محذرًا من نزعات سلطوية وسلالية تهدد وحدة البلاد وسيادتها.
تدخلات الخارج وتمزيق الداخل
تكشف مواقف كرمان وبيانات القوى الشبابية أن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد صراع داخلي، بل نتاج تداخل معقد بين عوامل محلية وتدخلات إقليمية ودولية.
فالإمارات، عبر سياساتها في الجنوب والمناطق الساحلية، أسهمت في خلق واقع سياسي وأمني مجزأ، بينما أدى الانقلاب الحوثي إلى تكريس سلطة أمر واقع في الشمال، لتتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة على النفوذ.
هذا التمزق لم يضعف الدولة فحسب، بل أضعف المجتمع، وأعاد إنتاج الانقسامات المناطقية والمذهبية، وأفرغ مفهوم الوطنية من مضمونه الجامع.
فبراير بين الذاكرة والرهان على المستقبل
بعد خمسة عشر عامًا، لا تزال ثورة فبراير حاضرة بوصفها مشروعًا مؤجلًا للدولة المدنية، ورمزًا لمطلب التغيير السلمي. وبين خطاب كرمان، واحتفالات تعز، وتحذيرات الشباب، يتجدد الرهان على أن استعادة هذا الإرث قد تكون مدخلًا لإنقاذ اليمن.
غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرهونًا بقدرة القوى الوطنية على تحصين القرار اليمني، وتفكيك مشاريع الوصاية، وبناء شراكة إقليمية تحترم سيادة البلاد، وتضع مصلحة اليمنيين فوق حسابات النفوذ والمصالح الضيقة.
اقرأ أيضًا : فنزويلا تعود إلى السوق الإسرائيلية عبر النفط تحت الوصاية الأمريكية