في وقت تتفاقم فيه المأساة الإنسانية في السودان على نحو غير مسبوق، حذّرت مديرة قسم المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين من أن المجتمع الدولي فشل فشلاً ذريعاً في الاستجابة لمعاناة ملايين المدنيين، مؤكدة أن ما يجري اليوم لا يمكن وصفه إلا بـ”الإخفاق الأخلاقي والسياسي الجماعي”.

وفي مقابلة مصوّرة، شددت ماتيلد فو على أن الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة لم يعد مقبولاً، في ظل واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تُرك السودانيون يواجهون الحرب والجوع والنزوح دون دعم حقيقي أو إرادة سياسية فاعلة.

فشل جماعي في حماية المدنيين

اعتبرت فو أن السودان يعيش اليوم كارثة إنسانية مركّبة، تطال أكثر من 30 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف السكان، باتوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة للبقاء على قيد الحياة. وأوضحت أن هذا الرقم الصادم يعكس حجم الانهيار الكامل في منظومات الغذاء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

وأضافت أن أكثر من 9 ملايين نازح داخلي يعيشون في ظروف قاسية، بلا مأوى لائق، منذ أكثر من ألف يوم، مشيرة إلى أن كثيرين اضطروا للنزوح مرات متكررة بسبب استمرار الهجمات وانعدام الأمان.

وترى الحقوقية أن هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لتقاعس المجتمع الدولي عن ممارسة ضغط جدي على أطراف النزاع، وترك المدنيين يدفعون وحدهم ثمن الصراعات السياسية والعسكرية.

عنف بلا حدود وطفولة مسروقة

سلّطت فو الضوء على الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها المدنيون، مؤكدة أن المدن السودانية شهدت قصفاً متواصلاً، واستهدافاً مباشراً للمستشفيات والأسواق والمرافق الحيوية.

كما تحدثت عن تفشي العنف الجنسي بحق النساء، وحرمان ملايين الأطفال من التعليم، قائلة إن جيلاً كاملاً في السودان حُرم من طفولته ومستقبله.

وأشارت إلى أن الأطفال لا يعيشون فقط تحت وطأة الحرب، بل يُجبرون أيضاً على تحمّل أعباء يومية مرهقة، مثل جلب المياه والوقوف في طوابير طويلة، في ظل غياب أي بدائل إنسانية مناسبة.

المخيمات.. مأساة داخل المأساة

وفي حديثها عن مخيمات النزوح، ركزت فو على مخيم زمزم في شمال دارفور، الذي كان يضم أكثر من نصف مليون نازح قبل الفظائع الأخيرة، معظمهم من الناجين من مجازر جماعية في مناطق مثل الجنينة.

وأوضحت أن المخيم يعاني من اكتظاظ شديد، ونقص حاد في المياه والصرف الصحي، حيث يضطر مئات الأشخاص لاستخدام مرحاض واحد، بينما تعمل نقاط المياه لساعات محدودة فقط يومياً.

وأكدت أن هذه الأوضاع غير الإنسانية تعكس عجز المنظومة الدولية عن توفير الحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية للنازحين.

حصار وتجويع وعراقيل متعمدة

تحدثت فو عن التحديات الأمنية واللوجستية التي تواجه العمل الإنساني، موضحة أن أطراف النزاع لم تحترم القانون الدولي الإنساني، وفرضت حصارات طويلة على مدن ومناطق كاملة.

وأضافت أن منع وصول المساعدات، وفرض القيود البيروقراطية، وضعف البنية التحتية، كلها عوامل ساهمت في تفاقم المجاعة وانتشار الأمراض.

وأشارت إلى أن السودان، بسبب مساحته الشاسعة وضعف شبكات النقل، يحتاج إلى جهود دولية استثنائية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

الإمارات ودعم الميليشيا: دور خفي في تعميق الكارثة

في سياق تحليل أعمق لأسباب استمرار الحرب، يرى مراقبون أن الدعم الخارجي لبعض أطراف النزاع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، لعب دوراً محورياً في إطالة أمد الصراع.

فهذا الدعم، سواء عبر التمويل أو التسليح أو الغطاء السياسي، ساهم في تعزيز قدرة الميليشيا على مواصلة القتال، وعرقلة أي مسار جدي نحو التسوية.

وبحسب خبراء، فإن استمرار هذا التدخل الخارجي يعكس ازدواجية المعايير الدولية، حيث تتغاضى بعض القوى عن انتهاكات جسيمة مقابل مصالح سياسية واقتصادية.

تمويل غائب وتضامن هش

انتقدت فو بشدة ضعف التمويل الدولي، مشيرة إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 سجلت عجزاً بنسبة 60%، رغم أن السودان يحتاج إلى نحو 2.8 مليار دولار فقط لتغطية الاحتياجات الأساسية.

وأكدت أن هذا الرقم المتواضع مقارنة بميزانيات الدول الكبرى يكشف حجم اللامبالاة الدولية تجاه مأساة السودانيين.

وأضافت أن كثيراً من المبادرات الإنسانية اعتمدت على التضامن المحلي، حيث اضطر السودانيون لمساعدة بعضهم بعضاً في ظل غياب الدعم الخارجي.

نداء أخير لإنقاذ ما تبقى

في ختام حديثها، وجهت فو نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي، مطالبة بتحويل التضامن اللفظي إلى أفعال ملموسة، عبر زيادة التمويل، وممارسة ضغط سياسي حقيقي، ووقف دعم الميليشيات المسلحة.

وأكدت أن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من القتل والتشريد والانهيار، ليس فقط في السودان، بل في المنطقة بأسرها.

وختمت بالقول إن إنقاذ السودان لم يعد مسألة إنسانية فقط، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي، الذي يقف اليوم أمام واحدة من أكبر أزماته الأخلاقية في العصر الحديث.

اقرأ أيضًا : تبرئة نشطاء مؤيدين لفلسطين تكشف تناقض العدالة البريطانية وسياسة دعم الاحتلال