في مشهد عسكري متطور يعكس تصعيدًا نوعيًا في أداء المقاومة الفلسطينية، كشف خبير عسكري عن محاولة لمقاتلين من المقاومة لاختراق موقع محصن للواء كفير الإسرائيلي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، بهدف أسر قادة إسرائيليين.

ورغم أن العملية لم تُكلّل بالنجاح الكامل، فإنها بحسب العقيد الركن نضال أبو زيد، تحمل دلالات استراتيجية تُقلق الجيش الإسرائيلي، وتؤشر إلى تحول نوعي في أداء المقاومة من الدفاع إلى الهجوم داخل المواقع الأكثر تحصينًا.

لواء كفير.. فرقة الإنهاك والخسائر المتزايدة

يُعد لواء كفير أحد التشكيلات القتالية التابعة للفرقة 99 في الجيش الإسرائيلي، وهي فرقة مسؤولة عن العمليات البرية التي تتمركز حاليًا في شمال قطاع غزة، إلا أن وجود لواء كفير في جنوب القطاع يعكس اضطرار الجيش إلى إعادة تدوير وحداته نتيجة الإنهاك ونقص القوات الجديدة. بحسب الخبير نضال أبو زيد، فإن لواء كفير يتعرض لنزيف متواصل في الأرواح والمعنويات منذ بدء الحرب، وهو ما يجعل جنوده من بين الأهداف المغرية للمقاومة، لا سيما في ظل تآكل قدراتهم القتالية وتكرار الأخطاء التكتيكية.

وتتحدث تقارير إسرائيلية عن “فشل عملياتي” في صفوف لواء كفير خلال الأسابيع الماضية، ما يجعل جنوده وقادته في حالة نفسية سيئة ويزيد من قابليتهم للوقوع في كمائن المقاومة، كما حدث في محاولات سابقة تم فيها استدراج جنود إلى مناطق مفخخة أو إطلاق عبوات ناسفة داخل ناقلاتهم.

محاولة الأسر.. بين الجرأة والدقة الاستخباراتية

رغم شح المعلومات الرسمي الإسرائيلي عن المحاولة، فإن هيئة البث الإسرائيلي أشارت إلى أن الجيش تمكن من “تجنب كارثة” عندما حاول مقاتلو المقاومة اقتحام الموقع المحصن، دون الإفصاح عن عدد المهاجمين أو طبيعة الاشتباك. لكن توقيت الهجوم ومكانه يوحيان بتخطيط دقيق واستطلاع ميداني متقدم، إذ أن المواقع المحصنة التابعة للجيش في خان يونس محاطة بحقول ألغام ومراقبة جوية على مدار الساعة.

هذا ما يؤكده الخبير أبو زيد الذي قال إن “العملية لم تكن اشتباكًا عشوائيًا، بل محاولة نوعية تهدف للوصول إلى ضباط بعينهم، ربما ضمن خطة لأسر أحد القادة البارزين، ما يرفع من قيمة العملية سياسيًا وعسكريًا”، مضيفًا أن “العمل الهندسي المرتبط باختراق هذه التحصينات يعكس درجة من الاحتراف الكبير الذي باتت تملكه فصائل المقاومة، في ظل تفوقها في المعركة غير المتماثلة”.

ويُذكر أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي كان قد عبر مرارًا عن قلقه من محاولات المقاومة استهداف مواقع عسكرية في الداخل بغرض خطف جنود أو تنفيذ عمليات ذات أثر استراتيجي على الرأي العام الإسرائيلي، لا سيما في ظل وجود أسرى إسرائيليين لدى المقاومة.

التدهور المعنوي في صفوف الجنود الإسرائيليين

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بإصابة 6 جنود في غزة، أحدهم في حالة حرجة، جرى نقله بمروحية إلى مستشفى “شعاري تسيدك” في القدس. وذكرت مصادر أن هؤلاء الجنود أصيبوا أثناء عمليات قتالية مرتبطة بتفجيرات أرضية أو نتيجة عمليات نوعية في مناطق يفترض أنها تحت السيطرة.

ويشير ذلك إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يسيطر فعليًا على الأرض في جنوب القطاع، رغم مرور أشهر على إعلان العمليات البرية، وهو ما يثبت أن المقاومة ما تزال قادرة على شن عمليات هجومية ضد أهداف عسكرية عالية القيمة.

ويربط محللون بين هذه الخسائر وبين “الفتور المتصاعد” في معنويات الجنود، إذ أن كثرة الإصابات، وتكرار وقوعهم في كمائن، إضافة إلى عدم وضوح الهدف من الحرب في نظر العديد من الجنود، كلها عوامل تعزز من التراخي والتردد في تنفيذ المهام القتالية، ما ينعكس على أداء القوات في الميدان.

وقد نُقل مؤخرًا عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن وحدات الهندسة وقوات لواء كفير تعاني من “أخطاء ميدانية متكررة”، تسببت في مقتل وإصابة عدد من الجنود خلال الأسابيع الماضية، مما يطرح تساؤلات حول فاعلية القيادة الميدانية والتنسيق بين الوحدات المختلفة.

المقاومة وتكتيك الاقتحام خلف الخطوط

نجاح المقاومة في تنفيذ أو حتى مجرد التخطيط لعملية اختراق موقع محصن، يحمل في طياته دلائل على تطور قدراتها الاستخباراتية والتكتيكية. فالعملية التي استهدفت موقع لواء كفير ليست الأولى من نوعها، لكنها تأتي في توقيت حرج، في ظل الضغوط السياسية التي يتعرض لها الاحتلال بسبب طول أمد الحرب وارتفاع الخسائر.

ويُعتقد أن المقاومة تهدف من خلال هذه المحاولات إلى كسر هيبة الجيش الإسرائيلي، وتقديم رسائل للداخل الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء مفادها أن الجنود ليسوا في مأمن، وأن اليد الطولى ما تزال في الميدان لأبناء غزة، رغم القصف والتدمير.

كما أن مجرد التفكير في محاولة أسر ضابط من لواء كفير يحمل قيمة رمزية ومعنوية كبرى، خاصة أن هذا اللواء معروف بارتكابه انتهاكات ضد المدنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما يجعل أسره أو قتله بمثابة ضربة قاسية للمنظومة النفسية للجيش الإسرائيلي.

معركة الإرادة تشتعل

ما جرى في موقع لواء كفير بخان يونس لا يُعد فقط حدثًا ميدانيًا معزولًا، بل هو مؤشر على تطور نوعي في المعركة الدائرة في غزة. المقاومة لم تكتفِ بالدفاع، بل باتت تبادر بهجمات جريئة خلف الخطوط، وتُخطط لأسر قيادات عسكرية في مواقع محصنة، ما يدل على شجاعة واستعداد غير محدود للتضحية، مقابل حالة إنهاك وتردد داخل صفوف العدو. وبينما تواصل إسرائيل التعتيم، تواصل المقاومة إرسال رسائلها النارية من تحت الركام: “لسنا مهزومين.. بل نحن نطاردكم في عقر مواقعكم”.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يستعد لترحيل نشطاء “حنظلة”.. قمع دولي وتواطؤ صامت