تحول حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون “بافتا” هذا العام إلى ساحة سجال سياسي وإعلامي، بعدما استغل المخرج البريطاني أكينولا ديفيز جونيور لحظة تتويجه بجائزة أفضل عمل لمخرج بريطاني ليوجه رسالة تضامن واضحة مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والحروب، مختتما كلمته بهتاف: “الحرية لفلسطين”.
ديفيز، الذي فاز بالجائزة عن فيلمه “ظل أبي”، لم يكتفِ بشكر فريق عمله أو الحديث عن تجربته الفنية، بل اختار أن يربط الإنجاز الفني بقضايا إنسانية وسياسية راهنة. وفي كلمته، حيّا “المهاجرين والناجين من النزاعات والذين يعيشون تحت الاحتلال والديكتاتورية والاضطهاد”، مؤكدا أن “أحلامهم فعل مقاومة”.
واختتم خطابه بالقول: “من أجل نيجيريا، من أجل لندن، من أجل الكونغو، من أجل السودان.. الحرية لفلسطين”. هذه العبارة، التي قوبلت بتصفيق في القاعة خلال البث المباشر، سرعان ما تحولت إلى محور جدل بعد أن تبين أن هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، التي بثت الحفل، حذفت الهتاف من النسخة التي أعادت نشرها لاحقا على منصاتها.

حذف مثير للانتقادات
قرار “بي بي سي” بحذف عبارة “الحرية لفلسطين” من النسخة النهائية أثار موجة انتقادات واسعة، خصوصا من منظمات حقوقية وشخصيات فنية. فقد وصف فرع منظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة الخطوة بأنها “مخزية”، معتبرة أن حذف تعبير سلمي عن التضامن يمثل تضييقا على حرية التعبير.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها. ففي العام الماضي، واجهت “بي بي سي” اتهامات مماثلة بعد حذفها دعوات لوقف إطلاق النار من تغطيتها لحفل “بافتا” في نسخته الإسكتلندية لعام 2023. آنذاك، استغلت المخرجة إيليد مونرو، الفائزة بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة قصير، خطابها للمطالبة بوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، فيما رفع زميلها فينلاي بريتسيل ملصقا كتب عليه: “أرفض أن أكون صامتا. أوقفوا إطلاق النار الآن”. ورغم بث هذه اللحظات مباشرة، لم تُدرج في النسخة النهائية التي نشرتها “بي بي سي”.
هذا التكرار عزز الانطباع لدى منتقدي الهيئة بأنها تتبع نهجا انتقائيا في التعامل مع الخطابات التي تتناول القضية الفلسطينية، خصوصا إذا كانت تتضمن انتقادا للاحتلال الإسرائيلي أو دعما صريحا للفلسطينيين.
انحياز إعلامي أم “تحرير مهني”؟
تدافع “بي بي سي” عادة عن قراراتها التحريرية باعتبارها خاضعة لمعايير الحياد والالتزام بالقواعد المهنية. غير أن منتقديها يرون أن هذا “الحياد” يتحول في كثير من الأحيان إلى انحياز فعلي، عبر تجنب عرض أي خطاب يُفهم منه انتقاد مباشر لإسرائيل، حتى لو جاء في سياق إنساني عام.
وتواجه الهيئة منذ سنوات اتهامات من ناشطين وأكاديميين بأنها تعتمد خطابا متحفظا أو ملتبسا عند تغطية ما يجري في الأراضي الفلسطينية، سواء من حيث المصطلحات المستخدمة أو ترتيب الأولويات في الأخبار. ويرى هؤلاء أن حذف عبارات مثل “الحرية لفلسطين” أو “أوقفوا إطلاق النار” يعكس حساسية مفرطة تجاه أي خطاب يُفهم منه تعاطف مع الفلسطينيين، في مقابل تمرير خطابات أخرى دون تدخل مماثل.
في المقابل، يعتبر مدافعون عن “بي بي سي” أن المؤسسة تسعى إلى تجنب تحويل منصات فنية إلى منابر سياسية، وأن حذف بعض المقاطع قد يكون بدافع الحفاظ على “التركيز الفني” للحفل. لكن هذا التبرير لا يقنع كثيرين، خاصة أن الحذف طال عبارات إنسانية عامة تتعلق بإنهاء الحرب ووقف إطلاق النار، وهي مطالب تتبناها منظمات دولية وحقوقية واسعة.
الفن والسياسة.. حدود متداخلة
حادثة ديفيز تعيد طرح سؤال قديم جديد حول العلاقة بين الفن والسياسة. فحفل “بافتا”، مثل غيره من المناسبات الثقافية الكبرى، لم يكن يوما معزولا تماما عن القضايا العامة. تاريخ الجوائز الفنية حافل بخطابات سياسية، من مناهضة الحروب إلى الدفاع عن حقوق الأقليات.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن ما فعله ديفيز يندرج ضمن تقليد فني مشروع، حيث يستثمر الفنانون لحظة تسليط الضوء عليهم للتعبير عن مواقفهم. كما أن ربطه بين قضايا الهجرة والاحتلال والنزاعات يعكس رؤية إنسانية شاملة، لا تقتصر على جغرافيا بعينها.
غير أن التفاعل الإعلامي مع هذه الخطابات يظل عاملا حاسما في تحديد مدى وصولها وتأثيرها. فحين يُبث الخطاب كاملا في النسخة المباشرة ثم يُحذف في النسخة المعاد نشرها، تتشكل رواية مختلفة لدى الجمهور اللاحق، ما يثير تساؤلات حول من يملك سلطة تحديد ما يُقال وما يُحذف.
صورة بي بي سي تحت المجهر
تأتي هذه الواقعة في وقت تتعرض فيه “بي بي سي” لانتقادات متزايدة بشأن تغطيتها للملفات المرتبطة بالشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد الحرب على غزة. ويرى منتقدوها أن الحذف المتكرر لخطابات متضامنة مع الفلسطينيين يضر بسمعتها كمؤسسة يفترض أن تلتزم بالتعددية وحرية التعبير.
وبينما لم تصدر الهيئة توضيحا مفصلا حول أسباب حذف هتاف ديفيز، فإن الجدل الذي أثير يضعها مجددا في مواجهة أسئلة صعبة حول حدود التحرير والرقابة، ومدى اتساق معاييرها عند التعامل مع القضايا الحساسة.
في النهاية، قد يكون هتاف “الحرية لفلسطين” الذي حُذف من النسخة النهائية، قد وصل بالفعل إلى جمهور واسع عبر البث المباشر ومقاطع متداولة. لكن الجدل الذي أثاره الحذف يكشف أن المعركة لم تعد فقط حول ما يُقال على المنصة، بل أيضا حول من يقرر ما يبقى في الذاكرة الإعلامية وما يُمحى منها.
اقرأ أيضا : إدارة ترامب تلاحق جامعة كاليفورنيا قضائيًا بتهمة معاداة السامية وسط صراع سياسي وأكاديمي متصاعد