في تحول لافت في مسار النقاشات الفلسطينية حول مستقبل قطاع غزة، اتفقت الفصائل الفلسطينية خلال اجتماع عقد في القاهرة على تسليم إدارة القطاع إلى لجنة مؤقتة من “التكنوقراط” المستقلين، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لكسر حالة الجمود السياسي بعد شهور من الحرب المدمرة. وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط إقليمية ودولية لتحديد ملامح “اليوم التالي للحرب”، بما يضمن إدارة مدنية للقطاع بعيداً عن التجاذبات الفصائلية، ويعيد توحيد الصف الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير.

مصادر قيادية كشفت أن الاجتماع الذي جرى برعاية مصرية اختتم أعماله بالتوافق على رؤية أولية لتشكيل لجنة إدارية من شخصيات كفؤة مقيمة في غزة، تتولى تسيير الشؤون اليومية وتنسيق جهود إعادة الإعمار، على أن تستأنف الفصائل اجتماعاتها الشهر المقبل لبحث ترتيبات ما بعد المرحلة الانتقالية. وأوضحت تلك المصادر أن القاهرة قدمت تصوراً واضحاً يقوم على إدارة فلسطينية داخلية للقطاع، مقابل التزام دولي بتمويل إعادة الإعمار، وضمان استقرار الهدنة.

الفصائل تتقدم بخطوات واقعية نحو إدارة ما بعد الحرب

البيان الختامي للاجتماع، الذي استمر يومين بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشار إلى أن اللقاء جاء استكمالاً لجهود الوسطاء لوقف الحرب ومعالجة تداعياتها، ومناقشة المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بمستقبل غزة.

وقد أكد المجتمعون دعمهم لاستمرار وقف إطلاق النار وتنفيذ كافة الإجراءات الأمنية التي تضمن حفظ الاستقرار في أرجاء القطاع، مشيرين إلى ضرورة تعاون جميع الأطراف الفلسطينية في إنجاح هذه المرحلة الحساسة.

الاتفاق الأبرز تمثل في تسليم إدارة غزة إلى لجنة تكنوقراط من أبناء القطاع، تتولى تقديم الخدمات الأساسية بالتعاون مع الدول العربية والمؤسسات الدولية، مع تشكيل لجنة دولية تشرف على تمويل وتنفيذ عملية الإعمار. وبهذا القرار، تكون الفصائل قد أبدت مرونة غير مسبوقة، واضعة مصلحة الشعب فوق الحسابات الفصائلية، خصوصاً في ظل الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية واحتياجات أكثر من مليوني فلسطيني.

المصادر أكدت أن مصر نقلت إلى واشنطن وتل أبيب موافقة أولية من الفصائل على هذا الترتيب، وسط تفاهم على ضرورة تجنب أي فراغ إداري في غزة. كما ذكرت أن القاهرة تلقت إشارات إيجابية من واشنطن بشأن قبول تشكيل اللجنة، رغم استمرار النقاشات حول مهام القوة الدولية التي ستراقب تنفيذ الهدنة، والتي تصر إسرائيل على تحديد ولايتها بدقة.

إجماع على تفعيل منظمة التحرير كإطار وطني جامع

الاجتماع لم يقتصر على الترتيبات الإدارية في غزة، بل تطرق إلى ملف الوحدة الوطنية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. إذ شددت الفصائل على عقد اجتماع عاجل لكافة القوى الفلسطينية للاتفاق على إستراتيجية وطنية شاملة، تعيد بناء المنظمة لتضم جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.

وأكد البيان على أن منظمة التحرير تبقى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن أي مشروع وطني لن يكتب له النجاح ما لم يستند إلى وحدة الصف ومركزية القرار الوطني المستقل.

وفي هذا السياق، أدانت الفصائل مصادقة الكنيست الإسرائيلي بالقراءة التمهيدية على قانون “تطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية”، واعتبرت ذلك جزءاً من محاولة فرض أمر واقع يقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية. كما ثمّنت الفصائل ما وصفته بموقف الإدارة الأميركية الرافض لهذا القانون، معتبرة أنه يفتح الباب أمام تحركات سياسية جديدة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.

رسائل سياسية متعددة واتجاه نحو تسوية مرحلية

اللقاءات التي سبقت الاجتماع، ومنها لقاء وفدي “حماس” و”فتح” برئاسة خليل الحية وحسين الشيخ في القاهرة، أعطت مؤشرات واضحة على وجود تفاهمات مبدئية حول ضرورة إدارة فلسطينية توافقية في غزة. فبعد سنوات من الانقسام، أدركت الحركتان أن أي مشروع لإعادة الإعمار أو وقف دائم لإطلاق النار لن ينجح دون شراكة وطنية.

المصادر تحدثت أيضاً عن اتصالات مكثفة بين مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس، إلى جانب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، لمناقشة تفاصيل المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتضمن انسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي، ونزع سلاح الفصائل المقاومة، وإنشاء مجلس إدارة مؤقت تابع للهيئة الانتقالية الدولية برئاسة ترامب تحت مسمى “مجلس السلام”.

ورغم تحفظات المقاومة الفلسطينية على بعض هذه البنود، فإن موافقتها المبدئية على تشكيل لجنة تكنوقراط داخلية تُظهر قدراً من المرونة السياسية يهدف لتخفيف معاناة سكان غزة، وقطع الطريق أمام أي إدارة خارجية مفروضة.

خاتمة: بين الواقعية السياسية وصمود الإرادة الوطنية

الاتفاق الأخير في القاهرة يمثل محاولة نادرة للجمع بين الواقعية السياسية والإرادة الوطنية، إذ تسعى الفصائل إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين الخدمات الأساسية للناس دون التفريط في الثوابت الوطنية. كما أن تمسكها بتفعيل منظمة التحرير يعكس رغبة حقيقية في تجاوز الانقسام التاريخي بين غزة والضفة، وبناء مرجعية وطنية واحدة قادرة على مواجهة التحديات المقبلة.

ورغم التعقيدات التي تحيط بالمرحلة الثانية من خطة ترامب، فإن ما جرى في القاهرة يشي بأن الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها المقاومة، باتت تدرك أن إدارة الصراع اليوم تتطلب مرونة سياسية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، وأن الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني واستعادة قراره الوطني المستقل هما الركيزتان الأساسيتان لأي مشروع تحرري مستقبلي.

اقرأ أيضًا : المقاومة تغلق الأبواب حول مسألة السلاح.. حماس تتهم إسرائيل بتعطيل الاتفاق