خرجت مظاهرات واسعة في إقليم ما يُسمّى «أرض الصومال» احتجاجًا على إعلان الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة، في مشهد أعاد خلط الأوراق داخل واحد من أكثر ملفات القرن الإفريقي حساسية. 

اللافت في الاحتجاجات لم يكن فقط حجم الغضب الشعبي، بل الرمزية السياسية التي حملتها، مع تلويح المتظاهرين بأعلام فلسطين ورفع شعارات ترفض الوجود الإسرائيلي، في رسالة واضحة بأن التطبيع المفروض من الخارج لا يحظى بأي قبول شعبي، وأن ما جرى ليس تعبيرًا عن «إرادة محلية» بقدر ما هو نتاج هندسة إقليمية تقودها الإمارات.

الشارع يتحرك والهوية الفلسطينية حاضرة

الاحتجاجات التي اندلعت في مدينة بوراما، وشارك فيها أفراد من قبيلة السمارون، كشفت عن تصدعات حقيقية داخل البنية الاجتماعية للإقليم. فهذه القبيلة، التي تعد من المكونات المؤثرة، لطالما التزمت الحذر تجاه مشروع الانفصال، لكنها وجدت نفسها اليوم أمام تدخل إسرائيلي مباشر مسّ ثوابت دينية وسياسية عميقة. رفع العلم الفلسطيني لم يكن مجرد تضامن رمزي، بل تعبير عن رفض تحويل الإقليم إلى منصة جديدة لتبييض الاحتلال وتوسيعه في إفريقيا.

ويرى مراقبون أن دخول إسرائيل على خط ملف «أرض الصومال» شكّل عامل استفزاز مباشر، نقل الخلاف من كونه سياسيًا داخليًا إلى صراع ذي أبعاد عقائدية وإقليمية، ما يهدد بانفجار أمني واجتماعي داخل الإقليم الذي طالما قدّم نفسه كنموذج «مستقر» مقارنة ببقية الصومال.

اعتراف إسرائيلي يشعل رفضًا عربيًا وإسلاميًا

إعلان حكومة الاحتلال، برئاسة بنيامين نتنياهو، الاعتراف بما سمّاه «جمهورية أرض الصومال»، فجّر موجة رفض عربي وإسلامي غير مسبوقة. فقد صدرت مواقف رسمية متطابقة عن تركيا ومصر والسعودية وقطر والكويت والأردن والعراق واليمن وجيبوتي وسوريا، إلى جانب فلسطين، شددت جميعها على أن الخطوة تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولمبدأ سيادة الدول.

كما أصدرت منظمات إقليمية، بينها منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، بيانات أكدت فيها دعم وحدة الأراضي الصومالية ورفض أي محاولات لتكريس الانفصال تحت غطاء التطبيع.

الإمارات… العرّاب الخفي للخطوة

رغم محاولة تل أبيب تسويق الاعتراف باعتباره امتدادًا لما يسمى اتفاقيات أبراهام، إلا أن خيوط المشهد تقود بوضوح إلى أبوظبي. فالإمارات، التي تمتلك سجلًا طويلًا من التدخلات في القرن الإفريقي، لعبت دور الوسيط والممهد لهذه الخطوة، سواء عبر نفوذها الاقتصادي في موانئ الإقليم أو من خلال علاقاتها الأمنية مع قياداته.

وتشير معطيات سياسية إلى أن أبوظبي تسعى لتحويل «أرض الصومال» إلى منصة نفوذ متقدمة على البحر الأحمر وخليج عدن، في إطار مشروع أوسع لإعادة رسم خرائط السيطرة البحرية والتجارية، حتى لو كان الثمن تفجير الصراعات الداخلية وشرعنة الانفصال.

الصومال يرد: السيادة خط أحمر

الحكومة الصومالية الفيدرالية سارعت إلى الرد، مؤكدة في بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء الوطنية رفضها القاطع للخطوة الإسرائيلية، وتشديدها على أن «أرض الصومال» جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية. وأكد البيان أن مقديشو لن تسمح بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية أو ترتيبات أمنية من شأنها جر البلاد إلى صراعات بالوكالة.

هذا الموقف لم يكن مجرد رد دبلوماسي، بل رسالة مباشرة إلى الإمارات وإسرائيل بأن اللعب بورقة الانفصال قد يفتح أبواب مواجهة إقليمية واسعة، في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتدخلات متعددة.

احتجاجات تنذر بانفجار قادم

ما يجري في شوارع بوراما اليوم قد يكون مقدمة لمشهد أكثر تعقيدًا غدًا. فالغضب الشعبي، المقترن برفض ديني وسياسي للتطبيع، يكشف أن مشروع تحويل «أرض الصومال» إلى كيان وظيفي يخدم أجندات خارجية يفتقر إلى الحاضنة الشعبية. ومع اتساع دائرة الرفض، تبدو الإمارات وقد ارتكبت خطأً استراتيجيًا جديدًا، بإقحام إسرائيل في ملف بالغ الحساسية، وتحويله من نزاع سياسي إلى قضية هوية وكرامة.

في المحصلة، تؤكد مظاهرات «أرض الصومال» أن الاعتراف الإسرائيلي ليس إنجازًا دبلوماسيًا كما تحاول أبوظبي وتل أبيب تصويره، بل مقامرة خطرة تهدد بإشعال الإقليم، وتعيد التأكيد على أن فلسطين ما زالت البوصلة، حتى في أقصى أطراف القرن الإفريقي.

اقرا أيضا : غياب إماراتي – بحريني – مغربي عن بيان عمّان الرافض لاعتراف إسرائيل بـ“أرض الصومال”… تموضع خارج الإجماع العربي