بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على ثورة 25 يناير، لا يبدو أن العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر قد خرجت من منطق الشك والاشتباه الأمني. بل على العكس، تكشف وقائع متتالية أن القبضة الأمنية لا تزال الأداة المفضلة في التعامل مع أبسط أشكال التعبير الشعبي، حتى لو اتخذت شكل لافتة دينية عابرة أو استغاثة مواطنة تُهدم دارها.
من تعليق عبارة «صل على النبي» إلى الشكوى المصورة من إزالة منزل، تتسع دائرة القمع لتشمل مساحات كانت حتى وقت قريب خارج الحسابات الأمنية.

لافتة تتحول إلى “قضية أمنية”
القصة الأولى بدت للوهلة الأولى عادية إلى حد السذاجة: شابان من محافظة الإسماعيلية يعلّقان لافتة كُتب عليها «صل على النبي» على أحد الطرق، فتنتشر الفكرة سريعًا في محافظات أخرى، ويتحوّل المشهد إلى ما يشبه “ترند” شعبي تلقائي. غير أن هذا الانتشار نفسه كان كافيًا، في نظر الأجهزة، لإطلاق صافرات الإنذار. سرعان ما ظهرت بلاغات قانونية تتهم الشابين بإتلاف الرصيف، وتحرّكت الشرطة لتوقيفهما قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيلهما لاحقًا.
من الناحية القانونية البحتة، لا تتجاوز الواقعة حدود مخالفة إدارية ينظمها قانون الإعلانات على الطرق، ولا ترقى بأي حال إلى مستوى التهديد الأمني. لكن القراءة السياسية للأمر تكشف ما هو أعمق: حساسية مفرطة تجاه أي تعبير جماعي غير مُدار من أعلى، حتى لو كان دينيًا تقليديًا يتداوله المصريون في حياتهم اليومية منذ عقود.
ذاكرة السلطة وخوف الشعارات
لم تأتِ هذه الواقعة من فراغ. فذاكرة النظام لا تزال مشدودة إلى تجارب سابقة، مثل حملة «هل صليت على النبي اليوم؟» التي انتشرت عام 2014 قبل أن تُقابل بتجريم وغرامات وحملة إعلامية وصفتها بأنها “مريبة”. في منطق السلطة، المشكلة ليست في العبارة ذاتها، بل في قدرتها على خلق حالة جماعية خارج السيطرة. أي شعار يلتف حوله الناس، مهما بدا بريئًا، يُنظر إليه كقابل للتحول إلى أداة حشد أو احتجاج.
هنا يتجلى جوهر القمع: ليس منع السياسة فقط، بل منع ما يمكن أن يصبح سياسة لاحقًا. ولهذا يصبح الذكر، والدعاء، وحتى الابتسامة الجمعية، موضوعًا للريبة والملاحقة.
من اللافتة إلى الجرافة
الواقعة الثانية أكثر قسوة ووضوحًا. سيدة من محافظة السويس تُصوّر بهاتفها عملية هدم منزلها، وتوجّه استغاثة مباشرة إلى رئيس النظام، مؤكدة أن لديها أوراق ملكية وأنها أُمهلت يومًا واحدًا للإخلاء. بدل أن تتحول الواقعة إلى تحقيق إداري في سلامة الإجراءات أو عدالة التعويض، كان الرد أمنيًا خالصًا: توقيف السيدة نفسها، مع بيان رسمي يبرر الإزالة باعتبارها “منفعة عامة”.
الرسالة هنا شديدة الوضوح: الشكوى العلنية خط أحمر. الاعتراض، حتى لو كان على ظلم شخصي، يُعد تهديدًا لأنه قد يفتح شهية الآخرين على الاعتراض. في منطق الدولة الأمنية، المشكلة ليست في الهدم بحد ذاته، بل في الكاميرا التي نقلت المشهد، والصوت الذي تجرأ على السؤال.
سياق أوسع للهدم والإخلاء
تندرج هذه الحادثة ضمن مسار ممتد منذ عام 2014، شهد إزالة مدن كاملة وتهجير آلاف الأسر تحت عناوين “التطوير” و“المنفعة العامة”. من رفح في سيناء، إلى جزيرة الوراق، إلى أحياء بورسعيد والسويس، وصولًا إلى الساحل الشمالي ومشروعات رأس الحكمة، يتكرر النمط ذاته: قرارات فوقية، اعتراضات شعبية محدودة، ثم حسم أمني سريع.
وفق تقارير حقوقية، شهد عام واحد فقط عشرات مشروعات نزع الملكية، طالت آلاف الوحدات السكنية ومساحات شاسعة من الأراضي. ومع الأزمة الاقتصادية الخانقة، يتحول الهدم إلى جرح اجتماعي مفتوح، تزيده القبضة الأمنية عمقًا بدل أن تعالجه.
القمع كمنهج حكم
في قراءة حقوقية، لا يمكن فصل هذه الوقائع عن طبيعة النظام القائم منذ 2013، والذي جعل من الأمن أداة إدارة يومية للدولة. فبحسب مدافعين عن حقوق الإنسان، بدأ القمع باستهداف المعارضين السياسيين، ثم توسع ليشمل أي صوت ناقد، وأخيرًا أي سلوك جماعي مستقل. في هذا السياق، يصبح توقيف شابين بسبب لافتة دينية، واعتقال سيدة بسبب استغاثة، أمرًا “متناسقًا” مع منطق الحكم نفسه.
النتيجة الأعمق لهذا المسار ليست فقط إسكات الأصوات، بل تراكم الاحتقان. فكلما ضاقت مساحات التعبير، زادت هشاشة الاستقرار. ومع أن السلطة تراهن على أن ما حدث في 2011 “لن يتكرر”، إلا أن التاريخ القريب يعلّم أن القمع لا يُلغي الغضب، بل يؤجله.
ما بعد العصا
بين لافتة «صل على النبي» وجرافة الهدم، يتكشف مشهد واحد: دولة تخشى مواطنيها، وتتعامل مع المجتمع باعتباره خطرًا محتملًا يجب ضبطه لا شريكًا يجب الإصغاء إليه. قمع السيسي، في صورته اليومية هذه، لا يحتاج إلى شعارات كبرى ليُعرّف نفسه؛ يكفي أن ترى كيف تتحول أبسط الإيماءات الإنسانية إلى ملفات أمنية، لتدرك أن المشكلة لم تعد في معارضة منظمة، بل في الخوف المزمن من الناس أنفسهم.
اقرأ أيضًا : بربريطانيا تلاحق شعار الانتفاضة وتضيّق الخناق على التضامن مع فلسطين