تغيير حجم الخط ع ع ع

يبدو بديهيا أنه في كل البلاد التي تحترم شعوبها، فإن المشكلات المتكررة في قطاع معين تستوجب المساءلة، وأن هذا النوع من المشكلات لا تنتهي بمجرد حلحلة الأزمة وتسيير المعوقات مؤقتا. ولأن هذا يحدث كما أسلفنا في البلاد التي تحترم شعوبها، فإنه كان مخالفا تماما لما حدث في أزمة السفينة العالقة في قناة السويس المصرية، والتي جرى تعويمها قبل ساعات لتعاود مسيرها من جديد، تاركة أسئلة واجبة حول أسباب هذا الخلل، وعلى من تقع مسؤولية محاسبة قادة القناة الأهم عالميا.

كانت “إيفر غيفن”، سفينة الحاويات التايوانية التي يصل وزنها إلى 200 ألف طن بطول 400 متر وعرض 60 متراً تقريباً، قد جنحت بين ضفتي القناة، بعد مغادرتها ميناء السويس، وكانت السفينة في طريقها من يانتيان بالصين إلى روتردام في هولندا مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، لتوقف حركة الملاحة في الممر المائي المصري الذي يربط الأحمر بالبحر المتوسط.

لكن تعويم السفينة لن يكون مفاجأة، بل سيكون منتظرا في قناة تعد هي شريان الحركة الملاحية البحرية حول العالم، إذ سرعان ما تقدم شركات المعالجة الدولية خدماتها لتسيير السفينة بعد تعويمها، لكن سيبقى هذا الحدث تاركا عشرات الأسئلة حول العالم، عن مدى كفاءة إدارة القيادة العسكرية الحالية للقناة، وهي أسئلة لم تلق إجابة بطبيعة الحال.

مشكلة متكررة

مشكلات إغلاق القناة لأسباب فنية متكررة وكثيرة، وكان آخرها عام 2018 حين أُغلِقَت القناة عقب حادث تصادم بسبب سوء تنسيق عملها، لكن حجم المشكلة هذه المرة ظهر بشكل فوري، بحسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية التي قالت إنه من الغريب أن العالم لا يعرف بعد أسباب هذا الجنوح، بسبب صمت القيادة المصرية عن طمأنة العالم حفاظا على الثقة واستقرار الأسواق.

وقالت الصحيفة إنه قناة السويس لا تمثل أهمية قصوى لحركة نقل البضائع والحاويات بين آسيا وأوروبا وحسب، والتي تبلغ تقريباً 30%، بل تتعدى ذلك بالنسبة لإمدادات النفط العالمية، إذ يمُرُّ نحو 10% من النفط العالمي عبر القناة وشبكة خطوط الأنابيب المرتبطة بها، وقد صارت طريقاً مهماً لنقل النفط الروسي إلى آسيا.

صمت مريب

وفي الوقت الذي اتجهت فيه أنظار العالم نحو قناة السويس، بعد سماع “أخبار جيدة” عن عودة سير الملاحة بها بشكل طبيعي، عادت الصحف الدولية لتفند تصريحات رسمية من مسؤولين مصريين بالقناة اتضح أنهم تلاعبوا بالمعلومات ليظل العالم غائبا عن الوعي عدة ساعات من واقعة الجنوح، بينما لم يعرف المصريون شيئا عن الواقعة حتى تناولتها صحف دولية كبرى.

وفور تداول أخبار الواقعة في المنصات الدولية، سارعت هيئة قناة السويس التي يديرها الجيش المسيطرة على مقاليد الأمور في البلاد إلى التأكيد على أن جنوح السفينة العملاقة تم في مسار فرعي، وأن القناة تعمل بشكل طبيعي، لكن ما نقلته المواقع المتخصصة في حركة السير والملاحة البحرية أشار إلى أن السفينة جنحت في المسار الرئيسي للقناة، وليس في مسار فرعي، وهو ما يعني توقف الملاحة في القناة بالكامل، وليس كما تقول السلطات المصرية.

تضارب تصريحات

الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، وجه في بيان رسمي صادر عن الهيئة صباح الأربعاء 24 مارس الجاري، “رسالة طمأنة” بشأن حركة الملاحة بالقناة وانتظامها مرة أخرى من خلال مجرى القناة الأصلية، وذلك ردا على ما نقلته وكالة رويترز عن مصدرين كبيرين في قطاع الملاحة، قولهما إن “هيئة قناة السويس بمصر قررت تعديل نظام عبور السفن، ليصبح في الاتجاهين في القناة القديمة”.

لكن هذا الرسالة لم تنجح في طمأنة العالم، بل أثارت الشكوك في حسن إدارة الأزمة، بعدما نقل موقع fleetmon الملاحي المتخصص في الخرائط اللحظية للحاويات، أن السفينة Evergiven عالقة بعد عدة كيلومترات من مدينة السويس في منطقة لا يوجد بها تفريعات أو قنوات جانبية، بل في مسار واحد للقناة فقط، كما يظهر أيضا في الخرائط وجود عدة قاطرات بحرية تحيط بالسفينة، فضلا عن تكدس السفن بشكل واضح في كل من المدخل الجنوبي لقناة السويس، وفي منطقة البحيرة المرة الكبرى.

ومهما يكن، فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق السلطة العسكرية التي تسطير على كافة أرجاء الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المصرية، والتي من بينها إدارة قناة السويس والاستحواذ على مدخولاتها الاقتصادية الضخمة، والتي لطالما تحدثت عن أحقيتها في إدارتها مقابل حسن القيام على شئون القناة، وهو الأمر الذي يتضح كل حين تهافته أمام حوادث التعثر والجنوح، فضلا عن سوء الإدارة الإعلامية للأزمة، وغياب المحاسبة.

وفي العام الماضي عبرت في القناة نحو 19 ألف سفينة، أي ما يُعادل 51.5 سفينة في اليوم، بحمولةٍ صافية تصل إلى 1.17 مليار طن وفقاً لهيئة قناة السويس. مما يُشكل مصدر دخلٍ مهم لاقتصاد مصر المُنهك، عن طريق جلب قرابة ستة مليارات دولار من الرسوم سنوياً، ومع اعتماد جزءٍ كبير من حركة النفط العالمية على القناة، فإنّ الخطر المباشر -في حال تكرار توقفها وعدم إعادة فتحها بسرعة- قد يصل إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكلفة عقود حاويات الشحن في حال أُجبِرَت السفن على سلك المسارات الأطول والأكثر استهلاكاً للوقت.

اقرأ أيضًا: كيف تسبب النظام العسكري في حصار مصر بالأزمات الخانقة؟