في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، اعتقلت الأجهزة الأمنية في دبي المواطن الأمريكي/المصري شريف عثمان فور وصوله للإمارات بناء على مذكرة اعتقال من النظام المصري، وبعد ضغوطات أُفرج عن شريف بعد 46 يومًا في السجون الإماراتية التي كانت ستسلمه لمصر بناء على أسباب سياسية، لكن تدخل الولايات المتحدة أنقذ الموقف.

اعتقال شريف عثمان يعكس طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر وكذلك علاقة الولايات المتحدة بحلفائها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام: لقد تجنبت الولايات المتحدة باستمرار تحميل المصريين أو غيرهم من المسؤولين في أنظمة المنطقة المسؤولية عن انتهاكاتهم، حتى التي ارتكبت ضد مواطني الولايات المتحدة.

على سبيل المثال، تجاهلت مصر دعوات نائب الرئيس السابق مايك بنس لإطلاق سراح مصطفى قاسم، وهو مواطن أمريكي آخر، اعتقل ظلمًا عام 2013، وتوفي في يناير/كانون الثاني 2020 بعد إضراب طويل عن الطعام وسجنه ست سنوات.

على الرغم من أن أعضاء الكونجرس طالبوا الرئيس آنذاك دونالد ترامب بفرض عقوبات على النظام المصري، فإن السيسي، الذي أطلق عليه ترامب ذات مرة لقب “الديكتاتور المفضل لديه”، لم يتعرض لأي عواقب.

كمرشح رئاسي، وعد بايدن باتخاذ مسار مختلف خلال فترة رئاسته، قائلاً إن السيسي “لن يحصل على المزيد من الشيكات على بياض”، وتعهد بوضع حقوق الإنسان في قلب سياسته الخارجية، كما تعهد بمكافحة القمع العابر للحدود، لكن بعد ما يقرب من عامين، أخفقت إدارة بايدن في تحويل هذه التعهدات إلى سياسات فعلية فيما يتعلق بمصر أو الإمارات أو بقية أنظمة المنطقة المستبدين.

لم تكن الولايات المتحدة قادرة -أو ربما كانت غير راغبة- على تحميل هذه السلطات المسؤولية عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية، وقد مهد هذا الطريق لمثل هذه الأنظمة لزيادة تصدير قمعها وحتى استهداف المواطنين الأمريكيين دون خوف من أي شكل من أشكال المساءلة.

الناشط الأمريكي محمد سلطان رفع دعوى قضائية في الولايات المتحدة ضد رئيس وزراء مصر الأسبق حازم الببلاوي – الممثل لدى صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة – الذي كان مسؤولًا حين كان سلطان معتقلًا وتعرض للتعذيب الوحشي، كانت هذه الدعوى فرصة لمحاسبة مسؤول النظام عن جرائمه ضد سلطان، لكن إدارة بايدن منحت في أبريل/نيسان 2021 حصانة سيادية للببلاوي، الذي كان يقيم في فرجينيا في ذلك الوقت.

مما لا شك فيه أن هذا شجع رئيس المخابرات المصرية الذي قال خلال زيارة في يوليو/تموز 2021 إلى واشنطن العاصمة، حسبما ورد، خلال اجتماعات في الكابيتول هيل، إن الولايات المتحدة وافقت كتابيًا على إطلاق سراح سلطان في عام 2015 مقابل أنه سيقضي الفترة المتبقية من عقوبته المصرية في السجون الأمريكية.

وبالمثل، قررت إدارة بايدن مؤخرًا أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يستحق الحصانة كرئيس حالي للحكومة في دعوى مدنية بشأن دوره في مقتل جمال خاشقجي، الجدير بالذكر أنه قبل شهر واحد من هذا القرار، حُكم على مواطن أمريكي آخر، هو سعد إبراهيم الماضي، بالسجن 16 عامًا في المملكة العربية السعودية لانتقاده النظام السعودي على تويتر أثناء وجوده في الولايات المتحدة.

ذكر البيت الأبيض في وقت سابق أن بايدن أثار قضايا حقوق الإنسان خلال اجتماعه مع السيسي في COP27 وقمة القادة الأمريكية الأفريقية، وقطعت إدارة بايدن 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، لكن هذا المبلغ يمثل جزءًا صغيرًا من إجمالي المساعدة العسكرية الأمريكية لمصر، ومن الواضح أن هذه الإجراءات أثبتت أنها غير كافية لتغيير سلوك النظام المصري تجاه حقوق الإنسان.

على العكس من ذلك، أعطت هذه الاجتماعات السيسي “شيكًا على بياض” آخر لارتكاب المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، ولا شك في أنها تستهدف ليس فقط المصريين، ولكن الأمريكيين أيضًا، ليس فقط في مصر، بل في كل مكان في المنطقة.

على بايدن رفع قيمة المساعدات التي تُحجب عن مصر، واشتراط تسليمها للقاهرة مقابل تحسين أوضاع حقوق الإنسان والتوقع عن القمع الذي يطول الأمريكيين الآن.

يجب معاقبة المسؤولين المصريين على جرائم القمع العابر للحدود، وسن تشريعات مشابهة لـ “حظر خاشقجي” من أجل ردع المسؤولين المصريين الذين تخطوا الحدود حرفيًا ووصل قمعهم واضطهادهم للأمريكيين، وأخيرًا، يجب أن يعمل الرئيس مع الكونغرس لتمرير قانون يجرم القمع العابر للحدود.

إن القيام بخلاف ذلك سيضع كل أمريكي في الخارج تحت رحمة المستبدين الذين يرغبون في إسكاتهم، وسيجبر الأمريكيين في الولايات المتحدة على توخي الحذر عند إبداء رأيهم، مما يمنح مثل هذه الأنظمة سلطة تحديد حدود حرية التعبير حتى على أراضي الولايات المتحدة.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا