لا تزال جهود الأنظمة الاستبدادية مستمرة في دفن الربيع العربي، وللأبد، يومًا بعد يوم يحدث تقاربًا جديدًا بين قادة المنطقة وتتشابك طرقهم ومساراتهم بعد أن كانوا في وقت من الأوقات خصوم سياسيين بينهم مقاطعات وربما حروب.
الأسبوع الماضي، وبعد وقت قليل من اعتقال السلطات التونسية لزعيم المعارضة راشد الغنوشي، استقبل قيس سعيد وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في زيارة استمرت ثلاثة أيام تهدف إلى إعادة العلاقات مع دمشق.
بدأ نظام الرئيس السوري بشار الأسد في جني ثمار عملية التطبيع المستمرة مع جيرانه العرب، والتي تأتي بعد سنوات من العزلة التي أعقبت حملات العنف البشعة التي أطلقها الأسد على بلاده في حرب أهلية استمرت عقدًا من الزمان.
مع تباطؤ الصراع وسيطرة الأسد بقوة، بدأت دول مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين بالفعل بإصلاح الخلافات مع نظام الأسد، وفي خطوة كبيرة، أشارت السعودية الأسبوع الماضي بعد استضافتها المقداد في مدينة جدة إلى أنها مستعدة لتحذو حذو جيرانها الخليجيين، وبالفعل استقبل الأسد يوم الأربعاء الماضي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود في دمشق، وهي أول زيارة لدبلوماسي كبير من الرياض منذ تصاعد التمرد السوري إلى صراع شامل.
كان من المفترض أن تكون تونس مختلفة حين يتعلق الأمر بالتصالح مع الأسد كونها الدولة التي احتضنت شرارة بداية الربيع العربي، كما أنها كانت من بين أوائل الدول التي قطعت العلاقات مع الأسد الطاغية الذي حارب هذه الانتفاضات بدموية وعنف شديد وتمسك بترسيخ النظام الاستبدادي في العالم العربي مهما كلفه الأمر.
لكن تونس في عهد قيس سعيد تخلت عن ثوبها الديموقراطي، وبعد عقد من الإصلاحات والحرية جمد سعيد كل شيء وشن حملة شرسة لإجهاض مكاسب الثروة.
جاءت عملية اعتقال راشد الغنوشي، زعيم الحزب الإسلامي المعتدل الرئيسي في البلاد، الأسبوع الماضي بعد حملة اعتقال طالت نشطاء مجتمع مدني وشخصيات معارضة، كان ذلك بمثابة نقطة انعطاف قاتمة: قبل انتفاضة الربيع العربي عام 2011، أمضى الغنوشي سنوات في السجن وعقودًا في المنفى، لقد كان شخصية مستقطبة بعد عودته إلى وطنه، لكنه ظل رمزًا لإمكانية التعددية السياسية في تونس، وهو أمر نادر في منطقة أكثر دراية بقمع تلك التطلعات.
الآن، يبدو أن “تونس سعيّد” أصبحت رسميًا من رفقاء النظام القديم الاستبدادي، وهو التكرار الأخير لما وصفه نديم حوري، المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي ومقرها باريس، بأنه “استعادة الاستبدادية”، وفي تصريح خاص قال حوري إن سعيد يمضي في “عملية انتقالية ملفتة للنظر من الديمقراطية للديكتاتورية”.
عام 2019، اندلعت موجة أخرى من الانتفاضات المناهضة للحكومة في جميع أنحاء العالم العربي، من الجزائر إلى السودان إلى لبنان والأردن والعراق، كان يغذيها الغضب من الفساد المستشري والاقتصادات الراكدة وفشل النخب السياسية في العبور بالبلاد إلى بر الأمان.
في بعض البلدان، تنحى رؤساء الدول واستقالت الحكومات، مثلما حدث في السودان على سبيل المثال، قال حوري: “كان هناك أمل في أن يتحركوا نحو ديمقراطيات أكثر شمولية… لكن هذا لم يحدث.”
اليوم السودان يشهد معركة فوضوية قد تحوله إلى سوريا أو يمن آخرين، انفجرت هذه المعركة بالرغم من إيمان البعض بالوهم القائل بإن الجنرالات الذين يديرون النظام الانتقالي في الخرطوم اهتموا ببناء ديمقراطية قوية وشاملة بعد التخلي عن حكومة مدنية هشة في عام 2021.
قُتل مئات المدنيين وجرح آخرون في تبادل إطلاق النار بين الفصائل المتناحرة التي تحرص كل منها على توسيع وتدعيم إقطاعياته.
ساعدت دول عربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في رعاية الثورات المضادة والمعادية للديمقراطية، كانت جهودها من باب الحفاظ على مصالحها الدائمة، ومدفوعة بالخوف من عدم الاستقرار والتهديدات غير المباشرة لاحتكاراتهم على السلطة في الداخل.
مهدت التحركات السعودية والإماراتية الأخيرة لدفن الصراعات مع إيران الطريق أمام التحركات الحالية لإخراج الأسد، الحليف الوثيق لطهران، من العزلة المفروضة عليه منذ عقد.
في مقال آخر، كتبت الزميلة سارة دادوش: “أن تقود السعودية الجهود لإعادة سوريا إلى الحظيرة العربية كان أمرًا غير واردًا في السابق… لسنوات، كانت المملكة من بين الموردين الرئيسيين للأسلحة للجماعات المتمردة التي قاتلت للإطاحة بالحكومة في دمشق، وفي عام 2015، قال وزير الخارجية آنذاك عادل الجبير إنه إذا فشلت العملية السياسية في الإطاحة بالأسد، فإن الرياض ستواصل دعم المعارضة لإزاحته بالقوة”.
على مدار السنوات الماضية التي أعقبت ثورات الربيع العربي والثورات المضادة “لم يلعب الغرب دورًا إيجابيًا لخدمة الآمال الديمقراطية في المنطقة” حسبما قال حوري.
في السودان على سبيل المثال، بدت الولايات المتحدة أكثر انشغالًا في إقناع جنرالات البلاد باتفاق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بدلاً من توجيه انتقال حقيقي إلى الديمقراطية، وفي الجزائر وتونس، أعطت الحكومات الأوروبية الأولوية للوصول إلى الغاز الطبيعي والتعاون في وقف تدفقات المهاجرين، على التوالي، على المساعدة في دعم تطلعات المحتجين والمجتمع المدني المشحون ضد فشل الأنظمة التي تحكمه، كما أصبح نفوذ دول مثل الولايات المتحدة ضئيلًا في الدول العربية لدرجة أن قمع بعض الأنظمة الاستبدادية مثل المصري والسعودي وصل إلى مواطنيهم المعارضين المقيمين على الأراضي الأمريكية.
للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا