في الرابع من فبراير 2025، استفاقت السويد على واحدة من أسوأ المجازر في تاريخها الحديث، حيث أطلق رجل مسلح النار داخل مدرسة لتعليم الكبار في مدينة أوريبرو، ما أسفر عن مقتل 11 شخصًا وإصابة آخرين. الحادث، الذي بدأ كقصة عاجلة تصدّرت عناوين الصحف العالمية، سرعان ما دخل في حالة تعتيم إعلامي مريب، بعدما تبيّن أن الجاني ليس مسلماً، بل سويدي يُدعى “ريكارد أندرسون”، وأن الضحايا من المهجرين العرب.
في اللحظة الأولى، انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وبدأت التحليلات المعتادة عن “الإرهاب” والتهديدات الأمنية والهجرة والمجتمعات المهاجرة في أوروبا. لكن مع الكشف عن هوية القاتل، تغيرت اللهجة، وبدأت وسائل الإعلام والجهات الرسمية بالتحدث عن “اضطرابات نفسية” يعاني منها المجرم، محاولةً طمس الطابع العنصري للجريمة.
ازدواجية المعايير.. عندما يكون القاتل أبيض والضحايا عربًا!
لو كان الجاني مسلمًا أو عربيا، لكانت ردود الفعل مختلفة تمامًا. فورًا، سيُصنف الهجوم كعمل إرهابي، وستُستبعد أي فرضية أخرى، وستستمر التغطية لأيام وأسابيع، تستهدف الجاليات المسلمة في السويد وأوروبا. كان السياسيون سيتسابقون للمطالبة بإجراءات أمنية مشددة ضد المهاجرين، وستبدأ الصحف في تحليل “الفكر المتطرف” الذي دفعه لارتكاب الجريمة.
لكن عندما يكون الجاني أوروبيًا، يتحول فجأة إلى مريض نفسي يعاني من “مشاكل عقلية”. وبينما يتم التستر على دوافعه العنصرية، تحاول بعض الجهات التقليل من فداحة الجريمة عبر التركيز على تفاصيل حياته الشخصية وكأنه “ضحية مجتمع قاسٍ”.
في الواقع، الدليل واضح على أن المجرم كان يؤمن بعقيدة يمينية متطرفة، حيث انتشر تسجيل صوتي من موقع الجريمة يُسمع فيه وهو يصرخ باللغة السويدية: “ارحلوا من أوروبا!”. هذه ليست كلمات شخص مختل عقليًا، بل خطاب كراهية واضح يعكس انتشار الفكر العنصري في الأوساط اليمينية المتطرفة في السويد.
عندما يكون الضحايا عربًا.. الصمت هو الحل!
ما يثير التساؤلات أكثر هو التغطية الإعلامية للجريمة، التي بدت وكأنها تحاول إخفاء حقيقة ما حدث. بعد انتشار الخبر في الساعات الأولى، بدأت وتيرة التغطية تتراجع بسرعة غريبة، وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا على التقليل من أهمية الحدث.
لماذا لم يتم تسليط الضوء على معاناة أهالي الضحايا كما يحدث في أي هجوم آخر؟ لماذا لم يُفتح تحقيق واسع حول صعود التطرف اليميني في السويد وتأثيره على المجتمع؟ لماذا لم يصدر بيان رسمي واضح يدين الجريمة على أنها جريمة كراهية ضد العرب والمسلمين؟
الإجابة واضحة: لأن الضحايا ليسوا من “الفئة التي يُسمح بالحزن عليها”، والجاني ليس من الفئة التي يُسمح بانتقاده بوضوح.
عندما يكون “الإرهاب” قضية انتقائية
ما حدث في أوريبرو يعيد تسليط الضوء على ازدواجية معايير الغرب في التعامل مع قضايا العنف والإرهاب. إذا كان الجاني مسلمًا، فهو إرهابي متطرف، وإذا كان غير مسلم، فهو مضطرب عقليًا وضحية ظروف شخصية. إذا كان الضحايا من الأوروبيين، فالجريمة تهديد عالمي، وإذا كانوا من العرب، فالأمر مجرد حادثة معزولة لا تستحق الاهتمام الإعلامي.
لكن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن هذه الجريمة كانت عملًا إرهابيًا بكل المقاييس، وأن تجاهلها لا يعني أن العرب والمسلمين سيكفون عن إدراك أن أمنهم في أوروبا مهدد، ليس بسبب أفعالهم، بل بسبب بيئة الكراهية التي تغذيها اليمين المتطرف، وسط تساهل حكومي وإعلامي واضح.