في تطور خطير يُعيد رسم خريطة الملاحة العالمية، أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز أن نحو 75% من حركة الشحن الأمريكية التي ترفع العلم الأمريكي لم تعد تمر عبر البحر الأحمر، مضطرة إلى اتخاذ طريق أطول وأكثر كلفة عبر الساحل الجنوبي لأفريقيا. 

هذا التحول يعكس حجم التهديد الذي بات يمثله الحوثيون على المصالح الأمريكية في المنطقة، ويؤكد أن الهجمات المستمرة من اليمن لم تعد مجرد تحدٍّ عسكري محدود، بل أصبحت تمسّ عمق الأمن القومي والاقتصادي للولايات المتحدة.

تحوّل في سلوك الشحن التجاري نتيجة التهديدات الحوثية

تصريحات والتز التي أطلقتها شبكة “سي بي إس” تكشف بوضوح حجم التأثير الذي فرضته عمليات الحوثيين في البحر الأحمر، إذ لم يعد بإمكان السفن الأمريكية الاعتماد على ممر قناة السويس الحيوي. 

هذا المسار الذي لطالما شكل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، بات محفوفًا بالمخاطر إلى درجة أن 75% من الشحنات الأمريكية تغيّرت وجهتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول، وأكثر استهلاكًا للوقود، وأعلى كلفة من الناحية الاقتصادية واللوجستية.

التغير في مسار الشحن لم يكن قرارًا تجاريًا بل أمنيًا بالدرجة الأولى، فقد بلغت وتيرة الهجمات الحوثية على السفن الأمريكية والأجنبية مستويات غير مسبوقة، إذ صرّح المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن الحوثيين نفذوا منذ عام 2023 نحو 174 هجومًا ضد سفن حربية أمريكية، و145 هجومًا ضد سفن تجارية. 

وهذا الرقم، إضافة إلى تطور نوعية السلاح المستخدم – من صواريخ باليستية إلى طائرات مسيرة – يعكس قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات دقيقة، وتهديدهم المستمر لحركة التجارة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

الرد الأمريكي… بين الصرامة والتصعيد

في ظل هذا التصعيد، لم تتأخر إدارة الرئيس دونالد ترامب – التي تسلمت الحكم مجددًا في يناير – في الرد، فقد شرعت الولايات المتحدة منذ أكثر من أسبوع في تنفيذ ضربات عسكرية مكثفة ضد مواقع الحوثيين، لكنها في الحقيقة أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 70 شخصًا وجرح العشرات أغلبهم  من المدنيين اليمنيين. 

وتعتبر هذه الضربات هي الأولى من نوعها منذ عودة ترامب للبيت الأبيض، وتُظهر اتجاهًا مختلفًا عن نهج الإدارة السابقة بقيادة بايدن، التي اتُهمت بالتردد وضعف الردع.

والتز وصف الحوثيين بـ”النسخة الجديدة من القاعدة وداعش”، مشيرًا إلى امتلاكهم صواريخ كروز، وصواريخ باليستية، وأنظمة دفاع جوي متطورة، وكلها – بحسبه – مدعومة من إيران. 

هذا التشبيه لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس لحالة العجز التي تعاني منها واشنطن في كبح جماح الحوثيين، وقلقها من توسع تأثيرهم العسكري والسياسي، ليس فقط في اليمن بل على صعيد الإقليم بأكمله.

ومع إعلان الحوثيين عن تنفيذ عملية نوعية باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ ضد حاملة الطائرات الأمريكية “هاري ترومان” في البحر الأحمر، إضافة إلى إطلاق صاروخ باليستي نحو مطار بن غوريون في إسرائيل، تبدو واشنطن أمام خصم لم يعد يعمل داخل حدود اليمن، بل يمتلك القدرة على فرض معادلات استراتيجية على مستوى الإقليم، وعلى مشارف العمق الإسرائيلي.

البعد السياسي

لا يمكن فهم التصعيد الحوثي بمعزل عن التطورات في غزة، فمنذ إعلان وقف إطلاق النار بين الاحتلال والمقاومة في 19 يناير، هدأت الهجمات الحوثية، لكنها عادت بشكل أعنف بعد استئناف إسرائيل ضرباتها على القطاع. 

هذا الترابط بين جبهتي اليمن وغزة يؤكد أن الحوثيين باتوا يعتبرون أنفسهم جزءًا من محور إقليمي موحّد، يمتد من اليمن مرورًا بلبنان وسوريا والعراق، وصولًا إلى فلسطين.

تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عقب محادثة هاتفية مع نتنياهو، بشأن “إعادة إرساء حرية الملاحة في البحر الأحمر” لا تكشف فقط عن نية أمريكية بالتصعيد، بل عن تنسيق وثيق بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة ما يعتبرونه محورًا معاديًا بقيادة إيران.

خاتمة: مسارات التصعيد واحتمالات الانفجار الإقليمي

التصعيد بين الولايات المتحدة والحوثيين لم يعد مجرد صراع محصور في البحر الأحمر، بل أصبح جبهة من جبهات التوتر الإقليمي الأوسع، المتصل مباشرة بما يحدث في غزة.

فالهجمات الحوثية تربك الملاحة العالمية، والرد الأمريكي يزيد من تعقيد المشهد اليمني، وسط عجز أممي عن إيجاد حلول سياسية فاعلة. 

ومع تواصل الدعم الإيراني وتزايد التنسيق بين قوى المقاومة، يبدو أن البحر الأحمر قد يتحول إلى بؤرة صراع مفتوحة، ما لم تُتخذ خطوات جذرية لوقف الحرب على غزة، وتجنيب المنطقة انفجارًا قد لا تقتصر تداعياته على شحنات النفط والسلع، بل قد تطال أمن واستقرار المنطقة بأسرها

اقرأ أيضًا : أحرار العالم يتحدون لملاحقة مرتكبي الإبادة الجماعية في غزة: مبادرة حقوقية دولية تسعى للعدالة