في مشهد يبدو في ظاهره بروتوكوليًا، لكنه يحمل في طياته دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها، تلقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا من الأمير فهد بن سلطان بن عبد العزيز، أمير منطقة تبوك، لتقديم التهنئة بعيد الفطر المبارك.

ورغم الصيغة الدبلوماسية التي استخدمها المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية في الإعلان عن المكالمة، إلا أن هذا الحدث يثير تساؤلات حقيقية حول موقع مصر الحالي في أولويات المملكة العربية السعودية، وتحديدًا في حسابات ولي العهد محمد بن سلمان.

 

من يتصل بمن؟ 

عندما يتلقى رئيس دولة بحجم مصر، الدولة العربية الأكثر عددًا من السكان وصاحبة الثقل الجيوسياسي والتاريخي في المنطقة، اتصال تهنئة من “أمير منطقة”، وليس من الملك سلمان أو حتى من ولي عهده محمد بن سلمان، فإن ذلك يطرح علامات استفهام عديدة حول الرسائل الضمنية المقصودة من هذا الترتيب البروتوكولي. 

في العرف الدبلوماسي، تهنئة الأعياد بين الزعماء تتم من رأس الدولة إلى رأس الدولة، أو على الأقل من ولي العهد إلى رئيس الدولة، لا من مسؤول محلي داخل المملكة. 

ما حدث لا يمكن فهمه خارج سياق التهميش المتعمد، أو التقليل من شأن القيادة المصرية، خاصة في لحظة تتسم بفتور في العلاقات بين القاهرة والرياض.

محمد بن سلمان يعيد ترتيب أوراقه

القراءة السياسية لما حدث تشير إلى أن محمد بن سلمان لا يرى في السيسي ذلك “الحليف الضروري” الذي كان يراه في السنوات التي أعقبت انقلاب 2013، حيث تدفقت المساعدات الخليجية نحو النظام الجديد لدعمه في مواجهة خصومه، لكن الأمور تغيرت.

السعودية اليوم تسعى إلى لعب دور القيادة المنفردة في المنطقة، وتُعيد تشكيل تحالفاتها على أساس المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وليس على أساس “العلاقات التاريخية” أو “الاصطفافات الأيديولوجية”. 

مصر، في ظل أزمتها الاقتصادية وتراجع تأثيرها الإقليمي، باتت في نظر ابن سلمان طرفًا ضعيفًا لا يستحق اهتمامًا مباشرًا من أعلى هرم السلطة في المملكة، ما يفسر إرسال أمير منطقة هامشية لتقديم التهاني بدلًا من التواصل الشخصي من ولي العهد.

انعكاسات التهميش على الداخل المصري 

هذا التجاهل السعودي الرسمي للرئيس السيسي قد لا يمر دون تداعيات داخلية، خاصة في وقت يعاني فيه النظام المصري من أزمات اقتصادية خانقة، ويبحث عن دعم خليجي للخروج من عنق الزجاجة. 

كما أن هذه “الإهانة البروتوكولية” تكشف عن تآكل الهيبة الدبلوماسية التي كان النظام يروج لها على مدار سنوات.

تلقي تهنئة العيد من مسؤول إقليمي سعودي يُفهم في السياق المصري كمؤشر على تراجع موقع القاهرة في خارطة التحالفات العربية. 

وهو أمر قد يستغله خصوم السيسي في الداخل والخارج لتأكيد فشل سياساته الإقليمية التي عزلت مصر عن محيطها وجعلتها في موقع التابع لا القائد.

تهنئة أم رسالة تحقير؟ 

بين الكلمات اللطيفة والتهاني المكررة، تكمن رسالة سياسية واضحة: مصر لم تعد في طليعة اهتمامات الرياض. 

والاتصال من أمير منطقة تبوك ليس مجرد لفتة مجاملة، بل قد يكون إشارة مقصودة من محمد بن سلمان ليوصل رسالة مهينة بأن القاهرة اليوم ليست أكثر من عاصمة تابعة، تتلقى المجاملات من الصف الثاني في المملكة، بينما تُدار الملفات الكبرى في المنطقة بمعزل عنها.

اقرأ أيضًا : مظاهرات العيد في مصر: الشعب يهتف لغزة ويرفض التهجير فيما السيسي يلتزم الصمت