في مشهد سياسي وقضائي بالغ الحساسية، مثُل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجددًا اليوم أمام المحكمة المركزية في تل أبيب، في جلسة طال انتظارها ضمن قضايا الفساد التي تطارده منذ سنوات، والتي باتت رمزًا لانقسام حاد داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتأتي هذه المحاكمة في توقيت شديد التعقيد، حيث تتشابك القضايا الجنائية مع الأزمات الأمنية والسياسية في الداخل والخارج.
الجلسة الأخيرة لم تخلُ من مفاجآت، إذ شهدت انسحاب محامي نتنياهو بعد الإعلان عن اعتقال اثنين من مساعديه المقربين: إيلي فلدشتاين، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء، ويونتان أوريخ، مستشار نتنياهو.
الاعتقال جرى على خلفية شبهات بتلقي أموال من قطر، وهي القضية التي نفتها مصادر مقربة من نتنياهو ووصفتها بـ”الملفقة والكاذبة”، فيما أكد مكتب رئيس الوزراء أن الشرطة نفسها لا تعرف طبيعة المخالفة التي تحقق فيها، في محاولة واضحة للتقليل من شأن الاتهامات.
ورغم نفي نتنياهو وجود أي دفعات مالية مخالفة، فإن قرار الشرطة باستدعائه لجلسة استماع مفتوحة يشير إلى تصاعد في التعامل مع الملف، وربما اقتراب من مرحلة حاسمة في المحاكمة.
لكن نتنياهو اختار الرد بطريقته المعتادة، واصفًا الإجراءات ضده بـ”المطاردة السياسية” الهادفة لإسقاط حكومة اليمين، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين اتهم المؤسسة الأمنية باحتجاز مساعديه كرهائن لإجباره على الاستجابة لضغوط تتعلق بإقالة رئيس جهاز الشاباك.
![]()
اضطرابات داخل الجيش: تمرد ناعم أم مقدمة لانهيار الثقة؟
يتزامن هذا التطور القضائي مع أزمة متصاعدة داخل الجيش الإسرائيلي، لا سيما في وحدات الاحتياط، حيث أعلنت عشرات الشخصيات من الأطباء والمسعفين في سلاح الطب رفضهم العودة إلى الخدمة في غزة.
هذا التمرد الرمزي – النادر في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية – يحمل دلالات عميقة على تراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية، ويعكس شرخًا غير مسبوق داخل المؤسسة الأمنية.
اللافت أن المتمردين لم يكتفوا برفض الخدمة، بل أرفقوا ذلك بعريضة تُدين الدعوات الإسرائيلية للاستيطان في قطاع غزة بعد الحرب، وهو ما يُظهر حجم الرفض للسياسات العدوانية التي تنتهجها حكومة نتنياهو، حتى من داخل صفوف الجيش ذاته.
وهو ما أكده الخبير وديع عواودة الذي أشار إلى أن تصريحات جنود الاحتياط تعبّر عن مأزق أخلاقي وعسكري، وتُعزز من شعور الفشل والاستنزاف في ظل غياب استراتيجية واضحة أو مخرج سياسي من الحرب.
في هذا السياق، تبرز التساؤلات حول مدى قدرة نتنياهو على إدارة هذه الأزمة المتعددة الوجوه، إذ إن تماديه في تجاهل الغضب داخل صفوف الجيش يمكن أن يؤدي إلى تآكل أكبر في الروح المعنوية، وربما إلى انهيار الثقة بين القيادة العسكرية والحكومة، خاصة أن الاحتجاجات الشعبية ضد الحرب في غزة آخذة في التوسع، وتشير الاستطلاعات إلى أن نحو 70% من الإسرائيليين يريدون وقفها والتوصل إلى صفقة تبادل أسرى.
أزمة حكم تتعمق: بين الحروب الخارجية والانهيار الداخلي
المشهد الراهن في الأراضي المحتلة يعكس أكثر من مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أقرب ما يكون إلى “أزمة حكم”، حيث يجد نتنياهو نفسه محاصرًا من كل الجهات: تظاهرات شعبية في الشارع، انقسام حاد داخل الجيش، وملفات فساد ثقيلة في أروقة القضاء.
وتضاف إلى هذه التحديات تهديدات إقليمية مستمرة، واستحقاقات سياسية من حلفائه المتطرفين الذين يدفعونه إلى مزيد من التصعيد، خصوصًا بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
المحلل السياسي عبد الله العقرباوي يلفت إلى أن نتنياهو لا يملك فعليًا هامش مناورة كبير، وأن سياساته القائمة على التجويع والحصار ضد غزة تصبّ في خانة “مشروع تهجير” طويل الأمد للفلسطينيين، وسط غياب أي موقف عربي حازم.
هذه السياسات، وفق العقرباوي، ليست فقط مخالفة للقانون الدولي – الذي ترفض إسرائيل أصلاً الالتزام به – بل تُهدد بإشعال حروب أوسع، وتمهّد لتدخلات إسرائيلية محتملة في لبنان وسوريا، وربما الأردن ومصر لاحقًا.
وفي ظل هذا التوتر، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن عقد اجتماع أمني مصغر لمناقشة التصعيد العسكري في غزة، وسط تسريبات عن تحضيرات لهجوم بري جديد. لكن في المقابل، تتحدث مصادر عن اتصالات غير رسمية مع قطر عبر قنوات خلفية، لاستئناف المفاوضات حول صفقة تبادل الأسرى، مما يطرح علامات استفهام حول مدى جدية نتنياهو في إنهاء الحرب أو حتى التوصل إلى تسوية.
الأخطر من كل ذلك هو فقدان ثقة الداخل الإسرائيلي في مؤسسات الحكم، وهو ما تجلى في الطريقة التي تُدار بها ملفات حساسة كالمحاكمة الجارية، وملف غزة، والصراع مع الأجهزة الأمنية.
وفي الوقت الذي يطالب فيه قادة المجتمع المدني والأحزاب المعارضة بتحقيق شفاف ومحايد، يواصل نتنياهو عزف لحن “المؤامرة السياسية”، متجاهلًا الحقائق المتزايدة حول تراجع نفوذه وانقسام جبهته الداخلية.
خلاصة:
الاحتلال يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي، فإما أن تنجح مؤسساتها القضائية والمدنية في فرض العدالة وكبح جماح التطرف السياسي، أو تنزلق إلى دوامة من الانقسام والانهيار الداخلي.
أما نتنياهو، فرغم خبرته السياسية الطويلة، يبدو اليوم أكثر عزلةً من أي وقت مضى، بين محكمة تلاحقه، وجيش يتململ، وحرب لا تنتهي.
اقرأ أيضًا : سرايا القدس تصعّد ضرباتها: استهداف قاعدة “حتسريم” الجوية ومستوطنات غلاف غزة ردًا على جرائم الاحتلال