بمشاركة عدد من الدول من بينها الإمارات و”إسرائيل”، انطلقت الإثنين فعاليات مناورات “إينيوخوس 2025” الجوية في اليونان، وسط تكتم إعلامي جزئي على بعض تفاصيل المشاركة. 

تستمر المناورات حتى 11 أبريل، في قاعدة “أندرافيدا” الجوية، بمشاركة عدد من الطائرات والمروحيات القتالية من مختلف دول حلف الناتو وشركائه، إلى جانب دول عربية وآسيوية.

ورغم أن الهدف المعلن لهذه التدريبات هو تعزيز التنسيق العسكري وتبادل الخبرات بين القوات الجوية المشاركة، إلا أن البُعد السياسي لا يمكن فصله عن الحدث، خصوصًا في ظل مشاركة دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب الإمارات، ما يعكس مرحلة جديدة من “تطبيع أمني تكتيكي” يجري تمريره تحت غطاء مناورات عسكرية متعددة الجنسيات.

الاحتلال يحلّق مع الإمارات.. تحالف يتجاوز الرمزية

اللافت في نسخة هذا العام من المناورات هو المشاركة العلنية للإمارات العربية المتحدة بطائرات Mirage 2000/9، إلى جانب طائرات الاحتلال من طراز G-550، وهي طائرات متخصصة في الحرب الإلكترونية والمراقبة.

وبحسب قناة “كان” العبرية، فإن سلاح الجو الإسرائيلي فوجئ بالكشف الرسمي من الجانب اليوناني عن أسماء الدول المشاركة، خصوصًا الدول التي طلبت إبقاء مشاركتها سرّية، وعلى رأسها دولة الاحتلال نفسها. 

هذا الإفصاح غير المخطط له يكشف عن حساسية المرحلة بالنسبة لـ”إسرائيل”، التي لا تزال تراعي السياقات السياسية لبعض الدول العربية التي تُفضل استمرار التطبيع الأمني بعيدًا عن الأضواء، حتى لا تُحرج أمام شعوبها أو تواجه ضغوطًا داخلية.

لكن الإمارات، التي تجاوزت منذ سنوات حدود التطبيع الدبلوماسي لتدخل في تحالفات أمنية واستراتيجية مع الاحتلال، تبدو من أكثر الأطراف “جرأة” في هذا السياق. 

فمشاركتها في مناورات جوية إلى جانب “إسرائيل”، وتحت إشراف طرف ثالث، تعني عمليًا الانتقال من مرحلة التنسيق الثنائي إلى اختبار سيناريوهات ميدانية مشتركة ضمن بيئة دولية، ما يعكس توافقًا متزايدًا في العقيدة العسكرية، واندماجًا في شبكات الأمن الغربي بقيادة واشنطن.

رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز سماء اليونان

من حيث الشكل، تبدو مناورات “إينيوخوس” حدثًا عسكريًا عاديًا ضمن جدول المناورات السنوي لحلف الناتو وشركائه، لكن دلالاتها تتجاوز التدريب القتالي إلى ما هو أبعد. 

فالمناورات تشمل تنفيذ سيناريوهات محاكاة لعمليات قتالية ليلية ونهارية، وهجمات جوية معقدة تحاكي الحروب الحديثة، باستخدام طائرات F-16، Mirage، Su-30، Tornado، وغيرها.

مشاركة هذه المنظومات المتعددة تعني أيضًا تبادل الخبرات في ما يُعرف بـ”الحرب الجوية المشتركة”، وهو أمر يُعد بالغ الأهمية لدولة الاحتلال، التي تسعى دومًا لاختبار تقنياتها وأسلحتها في بيئة متعددة، ومع قوات أجنبية متنوعة.

من جهة أخرى، فإن اليونان -التي تقود مركز التكتيكات الجوية المنظم للمناورات– تعمل على توطيد موقعها كمحور تدريبي واستراتيجي في شرق المتوسط، خاصة مع توتر علاقاتها التاريخية مع تركيا.

لذا، فإن احتضانها لمناورات تضم الإمارات و”إسرائيل” يعكس محاولات لإنشاء محور عسكري يتقاطع مع المحاور السياسية التي تتشكل في المنطقة، وخصوصًا المحور الإماراتي-الإسرائيلي-اليوناني-الهندي.

التطبيع الأمني يتسارع خلف ستار التدريب

في ظل ما تشهده المنطقة من تحوّلات استراتيجية متسارعة، تمثل مناورات “إينيوخوس 2025” نموذجًا واضحًا لتحوّل التدريبات العسكرية إلى أدوات سياسية. 

فالمشاركة المشتركة بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، التي أصبحت متكررة خلال السنوات الأخيرة، تشير إلى أن “التطبيع الأمني” تجاوز البعد الرمزي، وبات يمضي نحو بناء تحالفات إقليمية ذات طابع عملي وميداني.

وفيما يُبقي الاحتلال على مشاركته خلف الستار، تتباهى بعض الأنظمة العربية بالمشاركة العلنية، في تجاهل واضح للرأي العام العربي وللقضية الفلسطينية التي لم تُحل بعد، بل تزداد تعقيدًا.

هكذا، تصبح السماء اليونانية، ليس فقط مسرحًا لتدريبات قتالية، بل شاهدًا على اصطفافات جديدة، قد تحمل تأثيرات أعمق على مستقبل الصراع في الشرق الأوسط، وعلى توازنات القوى بين شعوبه وأنظمته.

اقرأ أيضًا : نتنياهو في مواجهة القضاء والانقسام الداخلي: بين محاكمة الفساد وغليان جيش الاحتلال