في مشهد يثير القلق العميق بشأن واقع الحريات في تونس، كشف نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار عن تسجيل رقم قياسي غير مسبوق في عدد الملاحقات القضائية ضد الصحفيين، حيث بلغت الإحالات إلى القضاء 32 حالة، وصدر 10 أحكام بالسجن، ما يجعل من هذا العام الأسوأ في تاريخ تونس الحديث فيما يتعلق بحرية الصحافة. 

يأتي هذا في ظل تواتر حملات قمعية واسعة تستهدف الصحفيين والمعارضين على حد سواء، في مشهد يعكس انحداراً حاداً نحو الاستبداد، خاصة في ظل حكم الرئيس قيس سعيّد الذي بات يُتهم بشكل متزايد باستغلال القضاء لتصفية خصومه السياسيين والسيطرة على الإعلام.

مرسوم قمعي وتضييق متزايد

جوهر الأزمة يتمثل في المرسوم عدد 54 الصادر في 13 سبتمبر 2022، والذي يُستخدم كسلاح قانوني لقمع حرية التعبير. هذا المرسوم يفرض عقوبات قاسية تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة بـ50 ألف دينار (نحو 16 ألف دولار)، على من ينشر أو يشارك أخبارًا يعتبرها النظام “كاذبة” أو “مثيرة للذعر”.

وبحسب نقيب الصحفيين، فإن معظم الإحالات القضائية التي طالت الصحفيين تمت استنادًا إلى هذا المرسوم، مما يشير إلى سياسة زجرية ممنهجة تهدف إلى ترهيب الإعلاميين وتكميم الأفواه.

وأشار الدبار إلى أن تقرير مؤشر حرية الصحافة لهذا العام كشف عن ثلاث مؤشرات خطيرة: استمرار ملاحقة الصحفيين قضائيًا، صدور أحكام بالسجن ضدهم بسبب آرائهم أو تقاريرهم، وتصاعد القيود على النفاذ إلى المعلومة، خاصة في ملفات حساسة مثل الهجرة. 

هذه المعطيات تؤكد أن الدولة التونسية باتت تُجرّم العمل الصحفي النقدي وتعتبره تهديدًا للأمن، بدلًا من كونه حقًا دستوريًا جوهريًا في المجتمعات الديمقراطية.

استهداف الصحفيين والاختناق الاقتصادي

من بين أبرز ضحايا هذا التصعيد الصحفية شذى الحاج مبارك التي حُكم عليها بالسجن خمس سنوات في ما يُعرف بـ”ملف أنستالينغو”، إلى جانب عدد آخر من الصحفيين الذين تم الزج بهم في السجون بسبب مقالاتهم أو مواقفهم على مواقع التواصل الاجتماعي. 

هذا النوع من الاستهداف الفردي يؤكد أن المرسوم 54 لا يُستخدم لمكافحة الإشاعات كما يُدّعى، بل لتصفية الأصوات المعارضة والمزعجة للسلطة.

ولم يقتصر القمع على الجوانب القضائية، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي، حيث أكد نقيب الصحفيين أن “الوضع الهش للصحفيين تجاوز الخط الأحمر”، مشيرًا إلى أن الغالبية الساحقة منهم يعيشون دون رواتب أو حقوق مهنية. 

وأشار إلى غياب الرقابة على المؤسسات الإعلامية التي لا تلتزم بقانون الشغل، وامتناع الحكومة عن نشر التقارير المالية المتعلقة بدعم الإعلام. في ظل هذا الوضع، يعيش الصحفي التونسي بين مطرقة القمع وسندان الفقر، ما يشكل تهديدًا وجوديًا لمهنة الصحافة في البلاد.

مؤشرات دولية: تونس تتراجع في حرية الصحافة

بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أصدرت منظمة “مراسلون بلا حدود” تقريرها السنوي الذي أكد هذا التراجع الحاد في واقع حرية الصحافة بتونس، حيث جاءت البلاد في المرتبة 129 عالمياً، متراجعة بـ11 مركزًا عن تصنيف العام الماضي.

التقرير أشار صراحة إلى أن الصحفي التونسي “يشعر بعدم الحماية” بسبب المرسوم 54 الذي يُستعمل بشكل تعسفي لملاحقته، ما يُفقده الأمان المهني ويؤدي إلى رقابة ذاتية خانقة داخل غرف الأخبار.

في المقابل، حققت بعض الدول المغاربية الأخرى تقدمًا طفيفًا، مثل المغرب الذي جاء في المرتبة 120 متقدمًا بتسع مراكز، وليبيا التي احتلت المركز 137.

أما فلسطين، فظلت من أخطر المناطق على الصحفيين في العالم، محتلة المرتبة 163 بسبب القمع والعدوان الإسرائيلي المستمر على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

تكميم المعارضة وتفكيك مؤسسات الدولة

ولا يمكن فصل الحملة على الصحفيين في تونس عن السياق العام الذي تشهده البلاد منذ انقلاب قيس سعيّد على الدستور والمؤسسات المنتخبة في يوليو 2021.

فمنذ ذلك التاريخ، تسارعت وتيرة الاعتقالات في صفوف السياسيين والصحفيين والقضاة، في محاولة واضحة لتركيز السلطة بيد الرئيس وتفكيك كل مراكز القوى المستقلة.

وكان من بين أبرز من طالتهم الاعتقالات زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس الوزراء السابق علي العريض، اللذان يقبعان في السجون بتهم وُصفت على نطاق واسع بأنها سياسية.

هذا القمع الشامل يعكس نمطًا واضحًا من الاستبداد الناشئ الذي لا يكتفي بإخراس السياسيين بل يسعى أيضًا إلى إخضاع الصحافة الحرة التي طالما لعبت دورًا رقابيًا مهمًا في تونس ما بعد الثورة.

تونس على مفترق طرق

الوضع في تونس بات ينذر بانتكاسة خطيرة لثورة 2011 التي رفعت شعارات الحرية والكرامة والعدالة. 

مع تزايد الملاحقات القضائية وتدهور أوضاع الصحفيين اقتصاديًا، وتنامي السلطوية على حساب المؤسسات، تواجه تونس خطر العودة إلى مربع القمع والاستبداد، وربما ما هو أسوأ. 

إن حرية الصحافة لا تقاس فقط بعدد القنوات أو المواقع الإخبارية، بل بقدرة الصحفي على أداء دوره دون خوف من السجن أو الجوع، وهذا ما أصبح اليوم مهددًا بوضوح في البلاد.

اقرأ أيضًا : 34 سنة سجناً لعلي العريض.. قضاء “قيس سعيد” يواصل تصفية معارضيه