أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، تنحيه مؤقتًا عن منصبه، وذلك في خضم تحقيق يجريه مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة بشأن اتهامات بسوء السلوك الجنسي موجهة ضده.
هذا القرار جاء في رسالة وجهها خان إلى موظفيه، أوضح فيها أنه قرر الابتعاد مؤقتًا عن منصبه بهدف الحفاظ على مصداقية المحكمة ونزاهة التحقيق.
وقال خان في رسالته: “في ضوء التقارير الإعلامية المتزايدة، اتخذت قرارًا مدروسًا بالحصول على إجازة”، مؤكدًا أن هذا القرار ينبع من التزامه بالمصداقية والنزاهة.
وفيما ينفي خان صحة الاتهامات الموجهة إليه، يرى متابعون أن توقيت هذا التنحي المؤقت لا يمكن فصله عن الضغوط الدولية والاضطرابات التي واجهتها المحكمة الجنائية الدولية في الآونة الأخيرة.

التوترات الدولية وضغوط إدارة ترامب
لم تكن هذه الأزمة الأولى التي يواجهها كريم خان في منصبه، فقد تعرض المدعي العام لضغوط متزايدة من قبل الولايات المتحدة، خاصة خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
في فبراير الماضي، فرضت إدارة ترامب عقوبات مباشرة على كريم خان وموظفي المحكمة الجنائية الدولية، بعد إصدارها مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية جرائم حرب ارتُكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
العقوبات شملت منع خان من الوصول إلى حساباته المصرفية في المملكة المتحدة، وحرمانه من استخدام عنوان بريده الإلكتروني في مايكروسوفت، وهو ما أثار حالة من الفوضى داخل المحكمة.
كما منعت بعض المنظمات غير الحكومية التعاون مع المحكمة في لاهاي، ما أثر بشكل مباشر على عملها وقدرتها على تحقيق العدالة لضحايا الجرائم الدولية.
وأشارت وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن هذه الإجراءات لم تكن سوى جزء من سلسلة ضغوط أمريكية تهدف إلى تقويض المحكمة، وهو ما أثار مخاوف من تدخل واشنطن بشكل مباشر في عمل العدالة الدولية، لتوفير الحماية لحلفائها، وخاصة لإسرائيل وقياداتها العسكرية والسياسية المتورطة في جرائم حرب.
عرقلة العدالة الدولية لحماية الاحتلال
تنحي كريم خان يأتي في وقت حرج، حيث تتزايد الاتهامات ضد إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدًا في قطاع غزة والضفة الغربية.
وقد أثارت مذكرة الاعتقال التي أصدرها خان ضد نتنياهو وغالانت، ردود فعل غاضبة من إسرائيل وحلفائها، خاصة الولايات المتحدة، التي استخدمت كل ما في وسعها لتقويض المحكمة الجنائية الدولية.
وكان ترامب قد أصدر أمرًا تنفيذيًا في فبراير الماضي، يقضي بفرض عقوبات على خان وموظفي المحكمة، واعتبارهم أشخاصًا خاضعين للعقوبات، ما منعهم من السفر إلى الولايات المتحدة أو الوصول إلى أنظمتها المالية.
وتعليقًا على هذه الإجراءات، قالت ليز إيفنسون، مديرة قسم العدالة الدولية في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن العقوبات “ستمنع الضحايا من الوصول إلى العدالة”، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المحكمة الجنائية الدولية.
وتؤكد مصادر من داخل المحكمة أن هذه العقوبات وغيرها من الضغوط الأمريكية أدت إلى إضعاف قدرة المحكمة على أداء مهامها الأساسية، بما في ذلك التحقيق في جرائم الحرب، وتحقيق العدالة للضحايا في النزاعات الدولية.
ويرى مراقبون أن تنحي خان في هذا التوقيت، رغم كونه “مؤقتًا”، يعكس حالة من الاضطراب الداخلي في المحكمة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العدالة الدولية في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة.
ختام: هل تنجح الضغوط الأمريكية في إسكات العدالة؟
تنحي كريم خان عن منصبه في هذه المرحلة الحرجة يثير الشكوك حول قدرة المحكمة الجنائية الدولية على مواصلة عملها بشكل مستقل وحيادي.
ففي ظل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، أصبحت المحكمة تواجه تحديات وجودية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاسبة قادة الدول الكبرى وحلفائها على جرائم الحرب.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الشعب الفلسطيني، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الضغوط الأمريكية في إجهاض العدالة الدولية وإنقاذ نتنياهو من المحاسبة؟ أم أن المحكمة الجنائية الدولية ستتمكن من تجاوز هذه العقبات واستعادة استقلاليتها ومصداقيتها في عيون العالم؟
اقرأ أيضًا : في حضرة الجريمة.. الاحتلال يوسّع الإبادة في غزة وسط صمت دولي مريب