أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي، النار على وفد دبلوماسي ضم ممثلين عن 35 دولة عربية وأوروبية، من بينهم السفير المصري في فلسطين، خلال زيارتهم لمخيم جنين في الضفة الغربية المحتلة، رغم أن الزيارة كانت منسقة مسبقًا مع سلطات الاحتلال.
وهو ما سبب تفاعلا واسعا وغضبا عارمة فعلى سبيل المثال وصفت الأمم المتحدة الحادث بأنه “غير مقبول”، وأبدت عواصم غربية وعربية استنكارها الشديد، فيما سادت حالة من الصمت المخزي من قِبل النظام المصري، الذي لم يصدر عنه حتى الآن أي تصريح رسمي، رغم تعرض سفيره مباشرة لهذا الاعتداء.
المشهد الذي هزّ المجتمع الدولي، لم يكن سوى انعكاس صارخ لواقع الغطرسة الإسرائيلية التي لا تردعها قوانين، ولا تهاب المواثيق الدولية.
اطلاق الرصاص على دبلوماسيين أجانب، من بينهم موظفون أمميون، في وضح النهار، وأمام أعين المجتمع الدولي، يمثل سابقة خطيرة تؤكد استخفاف الاحتلال بكل الأعراف، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي تضمن سلامة المبعوثين الأجانب.
في جريمة جديدة بحق الأعراف الدولية، أطلق جنود الاحتلال النار على وفد دبلوماسي يضم ممثلين من #فرنسا، #إيطاليا، #إسبانيا، #بلجيكا، #تونس، #الجزائر، #مصر، و #الأردن خلال زيارة رسمية لـ #مخيم_جنين!
▪️ الوفد كان في مهمة إنسانية ودبلوماسية ميدانية
▪️ الخارجية الفرنسية والإيطالية… pic.twitter.com/NGX6gcAsaw
— العدسة بوست (@TheLensPost) May 22, 2025
إدانات دولية… وصمت مصري
أمام هذا الانتهاك العلني، سارع المجتمع الدولي إلى إدانة سلوك الاحتلال، فالأمم المتحدة أعربت عن “قلق بالغ”، فيما شدد المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، على أن سلامة البعثات الدبلوماسية “يجب احترامها دومًا”، داعيًا إلى فتح تحقيق عاجل وتقديم النتائج.
دول مثل فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا، المكسيك، أوروغواي، وبريطانيا، استدعت سفراء الاحتلال لديها، ووصفت ما جرى بأنه انتهاك صارخ وغير مبرر.
أما قطر، فسارعت إلى استدعاء السفير الإسرائيلي في أوتاوا ومطالبته بإجابات مباشرة، بل وعبّرت عن موقف صلب يعكس مسؤوليتها السياسية تجاه فلسطين.
في المقابل، ورغم مشاركة السفير المصري شخصيًا في الجولة، لم تُصدر الخارجية المصرية بيانًا واحدًا، ولم يتخذ عبد الفتاح السيسي أي موقف يُذكر، وكأن الأمر لا يعنيه.
إن هذا الصمت لا يُفهم إلا في سياق الارتهان الكامل للنظام المصري للإملاءات الإسرائيلية والغربية، خصوصًا بعد سنوات من التعاون الأمني والتنسيق العسكري العميق بين القاهرة وتل أبيب، والذي بلغ ذروته بعد انقلاب 2013.
فكيف يُعقل أن يصمت رئيس دولة، تعرّض أحد دبلوماسييه لاعتداء مسلح أثناء تأديته لمهامه الرسمية، إلا إذا كان يعتبر الاحتلال شريكًا لا يجوز إحراجه!
حكومة احتلال تتحدى القانون الدولي وتبرر
الرد الإسرائيلي الرسمي لم يكن سوى استعراض إضافي للغطرسة: “الوفد انحرف عن مساره”، كما زعم جيش الاحتلال، مدعيًا أنه أطلق فقط “طلقات تحذيرية”.
هذه الرواية التي تم تفنيدها من عدة أطراف حاضرة في الجولة، كانت محاولة يائسة لتبرير الجريمة، وإغلاق الملف سريعًا.
لكن واقع الأمر أن ما جرى هو اعتداء متعمد، يراد به إيصال رسالة مفادها أن الاحتلال لا يعترف بأي سيادة أو حرمة، حتى لو كانت دبلوماسية.
إنها صفعة موجهة إلى المنظومة الأممية كلها، ومحاولة لإرهاب أي جهة دولية تحاول الاقتراب من الحقيقة الميدانية على الأرض في الضفة الغربية أو غزة.
بل إن اختيار مخيم جنين لم يكن صدفة، فهو يعد من رموز المقاومة الفلسطينية التي يسعى الاحتلال لتشويه صورتها بكل السبل، بما في ذلك بث الرعب في وفود التضامن.
غياب الرد العربي الرسمي.. فضيحة دبلوماسية
الدول العربية، وإن عبرت بعضها عن إدانتها، إلا أن مواقفها جاءت باهتة، بلا تبعات سياسية حقيقية. لم يُعلن عن سحب أي سفير عربي من تل أبيب، ولم تُطالب أي دولة عربية بفرض عقوبات أو وقف اتفاقيات التطبيع أو التعاون الأمني.
أما مصر، التي يفترض أن تكون في قلب معركة السيادة الفلسطينية، فتتصرف وكأنها إحدى دويلات الكاريبي البعيدة، لا صوت ولا موقف ولا استنكار. المفارقة أن هذه الدولة التي يدّعي نظامها الحاكم حرصه على أمن المنطقة، لم ترَ في إطلاق النار على سفيرها ما يستوجب حتى استدعاء السفير الإسرائيلي في القاهرة!
هذا التخاذل المصري، الذي بات سمة دائمة في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية، يعكس انهيار ما تبقى من الإرادة السياسية في دوائر الحكم في القاهرة. بل إن السيسي لم يعلّق حتى ولو بتغريدة، في مشهد يثير التساؤل حول من يحكم القرار المصري، ومن يتحكم في أولوياته.
رسالة إلى الشعوب: لا تعوّلوا على الحكام
رسالة الاحتلال واضحة: لا حصانة لأحد، ولا خطوط حمراء، سواء كنتم دبلوماسيين أم نشطاء سلام. ورسالة بعض الأنظمة العربية، للأسف، أكثر وضوحًا: نحن لا نمثلكم، ولا ندافع عنكم، ولا نملك قرارنا، ولو أطلق الرصاص على دبلوماسيينا.
لكن ما لا يدركه الاحتلال أن مثل هذه الانتهاكات ستزيد من عزلة إسرائيل على المستوى الدولي، وتؤكد للمجتمعات الغربية ذاتها أن هذا الكيان لم يعد شريكًا شرعيًا في المنظومة الدولية.
أما الشعوب، فمدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى للوقوف مع الشعب الفلسطيني ومقاومته، ومحاسبة حكوماتها التي تشتري شرعيتها من واشنطن وتل أبيب، على حساب دماء الشهداء وكرامة الشعوب.
اقرأ أيضًا : عباس في بيروت.. مهمة مشبوهة لنزع سلاح المقاومة تحت غطاء لبناني رسمي