في مشهد يتكرر مع العديد من المعارضين في مصر، انتهت، يوم الإثنين، مدة الحبس التي قضاها السياسي المصري البارز أحمد الطنطاوي، المرشح الرئاسي السابق وعضو مجلس النواب الأسبق، ليُفتح فصلاً جديداً من الغموض والقلق بشأن مصيره. 

فبدلاً من إطلاق سراحه بشكل نهائي، كما يقتضي القانون، يواجه الطنطاوي شبح “التدوير” على قضايا جديدة، في سياسة باتت تُستخدم لتصفية خصوم النظام وتحييدهم عن الساحة السياسية. 

ويأتي ذلك في ظل تصاعد المخاوف من حملة ممنهجة يقودها النظام الحاكم برئاسة عبد الفتاح السيسي لتكميم أفواه المعارضين، لا سيما من يتمتعون بشعبية مثل الطنطاوي.

محاولة اغتيال سياسي بصيغة قانونية

أحمد الطنطاوي، الذي أصبح أحد أبرز وجوه المعارضة المدنية في مصر خلال السنوات الأخيرة، أُودع سجن العاشر من رمضان بعد أن حكم عليه بالسجن لمدة عام، مع 22 من أنصاره، في حكم مثير للجدل افتقر — بحسب منظمات حقوقية — لأدنى معايير المحاكمة العادلة.

وبمجرد انتهاء مدة الحبس، خرجت أصوات محامي الدفاع لتحذر من أن النظام لا يعتزم فعلاً إطلاق سراحه، بل يسعى إلى إجهاض خروجه عبر إدخاله في قضيتين جديدتين أمام نيابة أمن الدولة العليا.

المحامي الحقوقي خالد علي أكد أن الطنطاوي استُدعي يوم 26 أبريل/نيسان الماضي من محبسه للتحقيق في قضيتين هما: رقم 2468 لسنة 2023 و2635 لسنة 2023، على خلفية اتهامه بـ”التحريض على ارتكاب عمل إرهابي” و”الدعوة للتجمهر”، وذلك بزعم دعوته إلى التظاهر في أكتوبر 2023 تضامنًا مع الشعب الفلسطيني. 

ورغم صدور قرار بإخلاء سبيله على ذمة التحقيق، لا تزال المخاوف قائمة من استغلال هذه القضايا لإبقائه في السجن عبر التدوير، وهو ما يمثل تلاعبًا بالقانون لإطالة فترة العقاب خارج إطار المحاكمة الطبيعية.

زوجته أيضاً.. استهداف عائلي لترهيب المعارضين

لم يقتصر الاستهداف على أحمد الطنطاوي فحسب، بل طال أيضاً زوجته، الإعلامية رشا قنديل، التي تم استدعاؤها للتحقيق في قضية رقم 4196 لسنة 2025 حصر أمن دولة، بتهم تتعلق بـ”نشر أخبار كاذبة” و”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.

وتم الإفراج عنها بكفالة قدرها 50 ألف جنيه، ما يُعد رسالة واضحة أن من يعارض النظام، سيدفع الثمن هو وأسرته.

رشا قنديل، الصحفية المعروفة بتحقيقاتها الجريئة، كانت قد نشرت خلال الشهور الماضية سلسلة من التقارير الاستقصائية تناولت فيها صفقات السلاح التي أبرمتها القاهرة خلال العقد الأخير، وطرحت فيها تساؤلات عن الحاجة إلى ترسانة ضخمة من الأسلحة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، ما اعتبره النظام تحديًا غير مقبول.

وفي فيديو نشرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أكدت قنديل أنها لم تهاجم الجيش المصري، بل مارست دورها كصحفية، لكنها توقعت أن تواجه السجن أو الاختفاء نتيجة لموقفها السياسي، مشددة على أن هذا لن يكون مبررًا لاستمرار حبس زوجها.

السيسي وهاجس الشعبية.. لماذا يخشى الطنطاوي؟

الطنطاوي ليس مجرد سياسي معارض، بل يُنظر إليه كخصم محتمل حقيقي لعبد الفتاح السيسي في أي استحقاق رئاسي قادم.

ففي مايو 2023، أعلن نيته الترشح لانتخابات الرئاسة، ما أدى إلى حملة قمع غير مسبوقة استهدفت مؤيديه، وأقاربه، بل وحتى من قاموا بمساعدته في جمع التوكيلات. وبحسب تقارير حقوقية، فقد اعتُقل عدد من أقاربه وأعضاء حملته، في رسالة مباشرة مفادها: لا مجال لأي بديل عن السيسي.

وبحسب مراقبين، فإن الرعب الذي يسببه الطنطاوي للنظام لا ينبع فقط من مواقفه، بل من شعبيته في أوساط الشباب، وقدرته على مخاطبة الشارع بلغة سياسية واضحة، بعيدة عن الشعارات القديمة التي فقدت فعاليتها. وهو ما يجعل التخلص منه، أو على الأقل تهميشه، أولوية قصوى للنظام الحاكم.

التدوير.. سلاح النظام لإبقاء المعارضين قيد الحبس إلى ما لا نهاية

تحذر منظمات حقوقية من أن سياسة التدوير، أي فتح قضايا جديدة ضد المعتقلين قبل انتهاء مدد سجنهم، تحولت إلى أداة ممنهجة لحرمان المعارضين من حقهم القانوني في الإفراج. 

وذكرت المنظمات حالات مشابهة مثل هدى عبد المنعم وعبد المنعم أبو الفتوح ومحمد القصاص ومحمد عادل، الذين تم تدويرهم على قضايا جديدة فور اقتراب انتهاء مدد حبسهم، ما يجعل الإفراج عنهم أقرب إلى السراب.

وبحسب المنظمات، فإن النظام يوظف قوانين قمعية مثل قانون الإرهاب وقانون التجمهر الملغى، بل ويعززها الآن بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي شرعن هذه الانتهاكات بدلًا من الحد منها، في مؤشر خطير على غياب أي نية للإصلاح.

خاتمة: الإفراج عن الطنطاوي.. مجرد وهم؟

ورغم انتهاء فترة الحبس رسميًا، إلا أن مصير أحمد الطنطاوي لا يزال معلقًا على إرادة الأجهزة الأمنية، وليس على نصوص القانون. فالتجربة مع النظام المصري تُثبت أن الإفراج لا يعني الحرية، وأن شبح التدوير والملاحقات القضائية سيظل يطارد من يجرؤ على معارضة السيسي أو فضح سياساته.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبقى مصر حبيسة قفص الخوف، حيث المعارض يُلاحق، والصحفي يُسجن، والشعب يُدفع للصمت. أما الطنطاوي، وإن خرج، فستظل خطواته مرصودة، وتحركاته محسوبة، وكلماته مراقبة، في معركة طويلة من أجل الحرية.

اقرأ أيضًا : مسيحي بتهمة الانضمام للإخوان!.. كيف تتوسع آلة القمع في عهد السيسي؟