في مشهد يتكرر مع كل محطة دامية في القضية الفلسطينية، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية، مساء الثلاثاء، حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة وإدخال المساعدات الإنسانية.

وبينما أيدت 14 دولة من أصل 15 المشروع، وقفت واشنطن منفردة – كعادتها – في معسكر دعم الاحتلال الإسرائيلي، متحديةً القانون الدولي، وضاربةً عرض الحائط بإرادة العالم. 

ردود الأفعال جاءت غاضبة، وكان أبرزها من حركة حماس التي اعتبرت الفيتو “شراكة كاملة في الجريمة”، في حين سارع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى تقديم الشكر للإدارة الأمريكية على دعمها “اللا محدود” لعدوانه المستمر على غزة منذ 20 شهرًا.

حماس تستنكر “الفيتو” وتصفه بشهادة دعم على الإبادة

في بيانها الغاضب، وصفت حركة المقاومة الإسلامية حماس الفيتو الأمريكي الأخير بأنه “يجسد الانحياز الأعمى للإدارة الأمريكية لحكومة الاحتلال الفاشية”، معتبرةً أن هذا القرار هو بمثابة ضوء أخضر مباشر لاستمرار جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المدنيين في قطاع غزة، خاصة الأطفال والنساء والشيوخ.

حماس لم تكتف بالاستنكار، بل طرحت تساؤلات عميقة حول جدوى المنظومة الدولية، من مجلس الأمن إلى المواثيق والقوانين، متهمةً هذه المنظومة بالعجز الفاضح أمام جرائم الاحتلال التي تتكرر منذ أشهر دون رادع أو محاسبة.

البيان أعاد التأكيد على أن الشعب الفلسطيني لم يعد يثق بجدوى المجتمع الدولي ما دامت القرارات المصيرية تُجهض بـ”ضغطة زر أمريكية”، وأن استمرار هذا التواطؤ سيدفع المقاومة إلى مزيد من الصمود والمواجهة. كما وصفت الحركة الموقف الأمريكي بأنه “متغطرس”، يعكس استهتارًا فاضحًا بمشاعر ومصالح شعوب العالم التي تطالب بوقف نزيف الدم في غزة.

فيتو أمريكي يشرعن الإبادة ويغسل جرائم الاحتلال

الفيتو الأمريكي جاء رغم الدعم الساحق لمشروع القرار داخل مجلس الأمن، حيث صوّتت جميع الدول الأعضاء – بما فيها دول أوروبية حليفة لواشنطن – لصالح وقف إطلاق النار وتيسير المساعدات الإنسانية. ومع ذلك، أفشل الفيتو الأمريكي هذه المساعي، مما يؤكد استمرار استخدام واشنطن لهذا السلاح لحماية الاحتلال الإسرائيلي من أي محاسبة دولية.

المندوبة الأمريكية دوروثي شيا بررت موقف بلادها بأن القرار لا يدين حركة حماس، ولا يدعو إلى نزع سلاحها، ولا يطالبها بمغادرة غزة. كما شددت على أن من “حق إسرائيل الدفاع عن نفسها”، وهو تبرير بات مألوفًا في كل مرة يرتكب فيها جيش الاحتلال مجازر بحق الفلسطينيين.

بل إن شيا ذهبت أبعد من ذلك، حين استنكرت عدم إدراج الأمم المتحدة لحماس على ما تسميه بـ”قائمة الإرهاب”، ما يكشف بوضوح نية واشنطن في إعادة صياغة مفهوم القانون الدولي ليخدم مصالحها ومصالح حليفها الإسرائيلي، ولو على أنقاض شعب بأكمله.

لكن السؤال الأخلاقي والسياسي هنا: كيف تدّعي الإدارة الأمريكية الدفاع عن الحريات والقيم الديمقراطية، بينما تمنع مجرد إصدار قرار إنساني يدعو إلى وقف القصف ودخول الغذاء؟ وكيف تنادي بإطلاق سراح الرهائن، بينما تتجاهل ملايين المحاصرين والمجوّعين في قطاع غزة؟

 نتنياهو يشكر واشنطن… والتحالف يترسخ على الدم الفلسطيني

في المقابل، لم يتأخر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في توجيه الشكر العلني للإدارة الأمريكية، معتبرًا أن الفيتو يعكس وحدة الموقف بين تل أبيب وواشنطن، ويؤكد أن “أعداء إسرائيل” – في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية والدول الداعمة لها – “لن ينجحوا في تفريقنا”، على حد تعبيره.

نتنياهو قال إن العالم المتحضر يجب أن يطالب بإطلاق سراح الرهائن دون قيد أو شرط، متجاهلًا أن حكومته ترفض أي هدنة إنسانية ولا تزال تواصل عدوانها على المدنيين، بما في ذلك استهداف مخيمات النازحين والمدارس والمستشفيات.

هذا الموقف يعكس بوضوح أن الاحتلال لا يعبأ بالقانون الدولي طالما أنه مدعوم من القوة العظمى الأولى في العالم، وهو ما يدفعه للاستمرار في مجازره، مستخدمًا الغطاء الأمريكي كدرع سياسي وقانوني.

ولعل الأهم هنا أن هذا التحالف الأمريكي-الإسرائيلي بات أكثر وضوحًا ووقاحةً من أي وقت مضى، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بالدعم الدبلوماسي، بل باتت شريكًا فعليًا في الجريمة من خلال توفير السلاح، والغطاء السياسي، والتضليل الإعلامي، والضغط على الحلفاء الأوروبيين لتجنب اتخاذ أي خطوات قد تُفسر على أنها “عداء لإسرائيل”.

الفيتو الأمريكي… جريمة إضافية بحق الإنسانية

ما حدث في مجلس الأمن لا يمكن النظر إليه كإجراء دبلوماسي روتيني، بل هو امتداد للعدوان على غزة، وجزء لا يتجزأ من الجريمة الكبرى التي ترتكب بحق المدنيين الفلسطينيين منذ أكثر من 20 شهرًا. الفيتو الأمريكي لم يمنع فقط صدور قرار دولي، بل ساهم في استمرار آلة القتل، ومنح الاحتلال شرعية زائفة لجرائمه.

في المقابل، تبقى المقاومة الفلسطينية مصممة على الصمود، ويظل الرأي العام العالمي – خاصة في الجنوب العالمي وأوروبا – رافضًا لهذا التواطؤ، ورافعًا صوته ضد الإبادة والتجويع والحصار.

وبينما يشكر نتنياهو واشنطن، ويفرك يديه ابتهاجًا بفيتو جديد، فإن التاريخ سيسجل أن الولايات المتحدة – في هذه اللحظة – لم تكن حليفًا للسلام أو القانون، بل شريكًا في جريمة قد لا تُمحى من ذاكرة الشعوب.

اقرأ أيضًأ : قمع مزدوج في أميركا.. تدعي إدانة العنف وتحتجز الأبرياء