في خطوة وصفها مراقبون بأنها الأكثر جدية منذ سنوات، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بدء تنفيذ خطة لإخلاء العاصمة طرابلس من التشكيلات المسلحة، واستعادة سلطة الدولة عبر أجهزة الأمن النظامية.
يأتي هذا التحرك في ظل تحديات داخلية وخارجية معقّدة، أبرزها النفوذ الإماراتي المتغلغل في المشهد الليبي، والذي طالما عمل على زعزعة استقرار العاصمة عبر دعم قوى موازية للسلطة الرسمية.

بداية الخطة: إعادة بسط الدولة لسيطرتها
أعلن الدبيبة، خلال لقاء مع المبعوثة الأممية هانا تيته، أن وزارة الداخلية باتت مستعدة لتولي الملف الأمني في طرابلس، ضمن خطة “وطنية شاملة” تهدف إلى إنهاء وجود الجماعات المسلحة غير النظامية. بالتوازي، أصدر المجلس الرئاسي قرارًا رسميًا (رقم 36 لسنة 2025) يقضي بحظر كافة المظاهر المسلحة داخل العاصمة، وتكليف مديرية أمن طرابلس والشرطة العسكرية بفرض النظام.
وترافقت هذه الإجراءات مع أول اجتماع للجنة الترتيبات الأمنية والعسكرية، التي شُكّلت حديثًا لبحث آليات تطبيق القرار على الأرض، وسط تأكيدات بأن الانسحاب الفوري للتشكيلات المسلحة من مواقعها في المدينة سيكون أولى خطوات التنفيذ.
النفوذ الإماراتي: العائق الصامت
رغم الطابع الأمني الظاهر للخطة، فإن خلفيتها السياسية لا تقل أهمية، خاصة في ظل اتهامات متكررة للإمارات بتقويض الأمن في طرابلس، ودعم قوى مسلحة خارجة عن مؤسسات الدولة.
فمنذ سنوات، عملت أبوظبي على ترسيخ نفوذها عبر دعم مشروع خليفة حفتر، وموّلت عملياته العسكرية للسيطرة على العاصمة، ما أدى إلى اندلاع حرب مدمرة في 2019، انتهت بفشل حفتر، لكن أثبتت حجم التدخل الإماراتي في تعقيد المشهد الأمني.
هذا التدخل لم يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل شمل حملات دبلوماسية وإعلامية تستهدف حكومة الدبيبة، مع محاولات لإعادة تشكيل الخارطة الأمنية عبر دعم أطراف محلية ذات صلة بها. لذلك فإن أي محاولة لإخلاء طرابلس من السلاح تصطدم تلقائيًا بتأثير أبوظبي في مراكز القرار غير الرسمية داخل المدينة.
ماذا بعد قرار الحظر؟
قرار المنفي بحظر الآليات العسكرية ومنع التشكيلات المسلحة من الظهور في طرابلس، هو امتداد لسلسلة من الإجراءات بدأت بتشكيل لجنة ترتيبات أمنية في 4 يونيو 2025، وتكليف مديرية الأمن بوضع خطة لتأمين العاصمة.
لكن الواقع الليبي المعقّد، حيث ترتبط العديد من التشكيلات بعلاقات قبلية أو مصالح اقتصادية، يجعل تنفيذ القرار صعبًا ما لم يُرفق بقرارات شجاعة لمحاسبة المعطّلين، وتحجيم القوى الخارجية المؤثرة، وفي مقدمتها الإمارات.
الانتخابات والمسار الأممي: خلفيات التحرك
يرتبط توقيت الإعلان عن الخطة أيضًا باستعداد الدبيبة للمشاركة في اجتماع برلين حول ليبيا، حيث يواجه ضغوطًا متزايدة من المجتمع الدولي لإنهاء المرحلة الانتقالية، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، تمهيدًا لإجراء الانتخابات.
لذلك يمكن اعتبار الخطة محاولة لخلق بيئة آمنة تدعم المسار الانتخابي، أو على الأقل إظهار الجدية في ذلك. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن كثيرًا من الخطط الأمنية بقيت حبيسة التصريحات، في ظل انعدام إرادة التنفيذ أو التدخلات المعرقلة.
السيناريوهات المحتملة
إذا نجحت الحكومة فعليًا في تنفيذ هذه الخطة، فإنها ستكون خطوة كبرى نحو ترسيخ سلطة الدولة، وكبح الفوضى الأمنية التي عطّلت الحياة في طرابلس لسنوات. وسيشكل ذلك أيضًا ضربة لمشروع الإمارات الإقليمي في ليبيا، الذي يقوم على دعم شبكات الولاء والتشكيلات الموازية.
أما إذا تراجعت الحكومة عن التنفيذ، أو خضعت لضغوط داخلية وخارجية، فستتحول الخطة إلى مجرد استعراض سياسي، وتفتح الباب أمام مزيد من التوترات الأمنية في العاصمة، وتراجع ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية.
الخلاصة
خطة الدبيبة والمنفي لإخلاء طرابلس من التشكيلات المسلحة ليست فقط اختبارًا للقدرة الأمنية، بل هي امتحان للسيادة السياسية الليبية في مواجهة النفوذ الإماراتي الذي يزدهر في بيئة الانقسام.
نجاح هذه الخطة مرهون بالإرادة الفعلية، والدعم الدولي غير المشروط، والتفكيك الجذري لشبكات السلاح والولاءات غير الرسمية. وإلا فإن طرابلس قد تظل رهينة السلاح إلى إشعار آخر.
هل ترغب في تحليل موازٍ حول دور الإمارات في تخريب المسارات الانتقالية، أو خلفيات النفوذ المسلح في طرابلس؟