في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، تتجدد المآسي في مصر، حيث لا تزال آلة القمع تعمل بصمت قاتل منذ أكثر من عقد، محوّلة السجون ومراكز الاحتجاز إلى ما يشبه “غرف إعدام بطيء” يخرج منها البعض جثثًا، ويخرج آخرون بذاكرة مثقلة بالكهرباء والعصيّ وصرخات الأحياء تحت وطأة الموت.
12 عامًا من الانتهاكات.. ولا أحد يُحاسب
منذ انقلاب 2013، وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية مئات الحالات التي تعرضت للتعذيب الوحشي، والحرمان من العلاج، والاختفاء القسري، والقتل البطيء بالإهمال الطبي، فيما لا تزال الدولة المصرية تنفي، وتصمت، وتحمي الجناة.
التعذيب في مصر: جريمة ممنهجة لا حالات فردية
تؤكد تقارير لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل “النديم”، و”كوميتي فور جستس”، و”الشبكة المصرية”، أن التعذيب أصبح ممارسة مؤسسية داخل مقار الأمن الوطني وأقسام الشرطة والسجون.
ومن أبشع صور هذه الجرائم:
-
الصعق بالكهرباء في الأعضاء التناسلية.
-
الصلب والتعليق كالذبيحة.
-
التعذيب حتى الموت كما حدث مع الشاب حسام أبوالعباس في سجن الوادي الجديد.
-
الإهمال الطبي القاتل كما في حالات عبدالعزيز عبدالغني، وعبدالرحمن محمد حسن.
-
العنف الجنسي الموثّق بحق أكثر من 544 ضحية، بينهم نساء وأطفال.
إفلات كامل من العقاب.. وتشريعات للحماية بدل المحاسبة
في بلد تنتمي حكومته لاتفاقية مناهضة التعذيب، لا يُحاكم الضباط المتورطون، بل يُرَقَّون. تسكت النيابة، وتغلق الملفات، وتحمي التعديلات التشريعية المجرمين تحت شعار “الأمن القومي”.
ويؤكد الباحث الحقوقي عبد الرحمن حمودة أن مصر شرعنت الإفلات من العقاب عبر:
-
تغييب المحاسبة القضائية.
-
إصدار قوانين تحصّن الأجهزة الأمنية.
-
إحالة المدنيين لمحاكم أمن الدولة.
-
التعتيم الإعلامي الكامل والتشهير بالضحايا.
-
ترقية الضباط المتورطين بدلًا من معاقبتهم.
من ريجيني إلى مرسي.. قائمة الموت الطويلة
من الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، إلى الرئيس الراحل محمد مرسي، مرورًا بمئات الأسماء الموثقة، تشير المعطيات إلى نمط متكرر من الانتهاكات:
-
تعذيب حتى الموت داخل الأقسام.
-
حبس في ظروف غير إنسانية.
-
حرمان ممنهج من العلاج.
-
اختفاءات قسرية لفترات طويلة.
-
اعترافات منتزعة تحت التعذيب تُبنى عليها أحكام بالإعدام.
أرقام تتحدث: جريمة ضد الإنسانية
🔹 1000+ حالة وفاة في أماكن الاحتجاز منذ 2013
🔹 426 انتهاكًا في مايو 2024 فقط
🔹 544 حالة عنف جنسي موثقة حتى 2022
🔹 4253 حالة اختفاء قسري منذ 2015
🔹 15 معتقلًا قضوا في أول 4 أشهر من 2025 فقط
“التعذيب لا يسقط بالتقادم”.. لكن إلى متى الإفلات؟
في ظل هذا الواقع الدموي، تطلق المنظمات الحقوقية نداءً جديدًا لكسر الصمت: التوثيق، والمحاسبة، وملاحقة الجناة محليًا ودوليًا. فالتعذيب، وفق الدستور المصري نفسه، جريمة لا تسقط بالتقادم، لكن الواقع يقول إن الدولة ليست فقط عاجزة عن وقفها، بل متورطة فيها حتى النخاع.
السلطة المصرية لم تبنِ فقط “جمهورية جديدة” بل نظامًا يقوم على التعذيب كأداة حكم وتخويف وسيطرة. ومع كل جريمة جديدة، تتسع الهوة بين الشعب ومؤسسات يفترض بها أن تحميه، لا أن تقتله.
وإذا كان “التعذيب” من أبشع ما يرتكبه الإنسان، فإن تبريره والتواطؤ معه هو جريمة أخلاقية لا تقل فداحة.
هل ستبقى الزنازين مشرعة على الموت بلا عقاب؟ أم أن الوقت قد حان لمحاسبة الجناة وإنهاء زمن الصمت والظلم؟
اقرأ أيضا: صدام حفتر في القاهرة.. ما خلفيات الحفاوة العسكرية المصرية؟