قبل عشر سنوات، تنفست مدينة عدن الصعداء بعد أن استعادتها القوات الحكومية من قبضة الحوثيين، وسط آمال بتحولها إلى نموذج للسلام والتنمية. لكن سرعان ما تحوّلت هذه المدينة الساحلية التي تُعرف بـ”ثغر اليمن الباسم” إلى مدينة غارقة في الظلام، تغيب عنها المياه، وتطفح مجاريها في الشوارع، ويئنّ سكانها من الجوع وانقطاع الكهرباء لأكثر من 11 ساعة يوميًا.
وبينما ترزح عدن تحت أزمات اقتصادية وخدمية خانقة، تختنق أكثر بسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، الذي حول المدينة إلى ساحة تجاذبات ومختبر للقمع، بدل أن تكون واجهة للإعمار.
أزمات عدن المتراكمة لم تنشأ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لانقسام السلطة بين الحكومة اليمنية الشرعية والمجلس الانتقالي، وسط دور مشبوه للتحالف بقيادة السعودية والإمارات، اللتين تعهدتا بدعم اليمن، لكنهما أفرغتا هذا التعهد من مضمونه، وحوّلتا عدن إلى منطقة نفوذ ومسرح للصراع السياسي والعسكري.

قمع المجلس الانتقالي واحتجاج النساء: عدن تئن تحت الحصار الأمني
تُدار مدينة عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عاصمة مؤقتة، بقبضة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. المجلس، منذ تأسيسه عام 2017، بسط نفوذه على المدينة أمنيًا وعسكريًا، وأقصى الحكومة الشرعية إلى حضور شكلي، لا سلطة له على الأرض. وفي ظل الانهيار الاقتصادي الحاد، وفقدان الريال اليمني أكثر من ثلث قيمته خلال عام واحد، تفجرت احتجاجات شعبية تطالب بتحسين الخدمات ووقف التدهور، إلا أن المجلس واجهها بالقمع والاعتقالات.
اللافت أن شباب المدينة الذين كانوا في طليعة الاحتجاجات تراجعوا بفعل الترهيب، لتأخذ النساء زمام المبادرة. خرجت نساء عدن إلى الشوارع رغم الانتشار العسكري المكثف، مرددات هتافات غاضبة ضد المجلس الانتقالي، والحكومة، والمجلس الرئاسي، وصولًا إلى المطالبة برحيل التحالف العربي نفسه. كانت الرسالة واضحة: “الوضع لم يعد يُحتمل”.
لكن بدلاً من الاستجابة، تعامل المجلس الانتقالي مع تلك الاحتجاجات كتهديد سياسي، رغم أنه يدعي تمثيل الإرادة الشعبية الجنوبية. المفارقة أن المجلس الذي استمد شرعيته من المظاهرات الشعبية، يضيق صدره اليوم بأي صوت يخرج مطالبًا بالخدمات الأساسية. وقد وصف الكاتب اليمني صلاح السقلدي – المقرب من الانتقالي – هذه المفارقة بأنها تعكس فشلًا مزدوجًا: قمع الداخل، والتباكي من الخارج.
مسؤولية إماراتية وسعودية.. وتحالف يُغذّي الانقسام لا الدولة
ما تعيشه عدن لا يمكن عزله عن التدخل الإماراتي المباشر في المدينة، والذي أسهم في تحويلها إلى منطقة نفوذ مغلقة، بحسب ما يؤكده الصحفيون والباحثون اليمنيون. فقد دعمت أبو ظبي تشكيلات مسلحة خارجة عن الدولة، أبرزها المجلس الانتقالي، وسعت إلى تقويض نفوذ الحكومة الشرعية. وقد أشار الباحث اليمني في القانون والعلاقات الدولية، عبدالله الهندي، إلى أن الإمارات عملت على تفكيك مؤسسات الدولة دون بناء بدائل، وكرّست الانقسامات بدل توحيد الجهود لإعادة الإعمار.
من جهة أخرى، لم تكن السعودية بعيدة عن هذا المشهد. فرغم تعهدها بدعم الشرعية اليمنية، إلا أن دورها اتسم بالتواطؤ أو الصمت تجاه ما يجري في عدن، مما جعله أشبه بـ”توزيع النفوذ” بينها وبين الإمارات، لا دعمًا حقيقيًا للدولة.
ويرى السقلدي أن الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي يتحملان مسؤولية مباشرة عن الانهيار، لكن اللوم الأكبر لا يمكن أن يُعفى منه التحالف، الذي يمتلك أدوات ضغط كبيرة لتغيير الوضع لكنه يختار غض الطرف. وأضاف أن الفساد، وتعدد مراكز النفوذ، وغياب دولة القانون، جعل عدن بيئة طاردة للاستثمار والخدمات، بل وحتى الحياة اليومية.
عدن.. مدينة بلا سلطة ولا مؤسسات
يؤكد الباحث الهندي أن عدن، منذ “تحريرها”، تحولت إلى ساحة صراع بين أطراف متعددة، ولا توجد فيها سلطة موحدة. فكل طرف يملك جزءًا من القرار دون أن يتحمل كامل المسؤولية، ما أفرز إدارة هجينة، ومؤسسات ضعيفة، وانهيارًا في دورة الحياة.
فالمستوى السياسي يتسم بغياب الدولة، وحضور مشاريع متضاربة، حيث انكفأت الحكومة في الرياض، بينما تسعى الإمارات إلى ترسيخ سلطات بديلة. أما المستوى الإداري، فشهد تفكيكًا لمؤسسات الدولة واستبدالها بكيانات غير خاضعة للمساءلة، تدار بالولاءات لا بالكفاءة. وفي المستوى الخدمي، تعاني عدن من شلل في البنى التحتية، وانقطاع دائم للكهرباء، وشبكة صرف صحي متهالكة، وارتفاع جنوني في الأسعار، وغياب تام لأي رؤية إنقاذية.
مأزق شرعية الانتقالي.. وقوة الشارع الصامت
يحاول المجلس الانتقالي اليوم فرض قبضته الأمنية على المدينة، في الوقت الذي يفقد فيه شرعيته الشعبية. يقول الهندي إن قمع الاحتجاجات لا يعكس فقط ضعف شرعية المجلس، بل أيضًا اعتماده المتزايد على القوة بدل السياسات التنموية. فالمجلس فشل في تحويل سيطرته إلى نموذج حكم ناجح، واستمر في إدارة المدينة بمنطق الفصائل، لا بمنهج الدولة.
في ظل هذه المعطيات، تبقى عدن رهينة بين مشاريع متعددة: مشروع انفصال الجنوب، مشروع الدولة الفاشلة، ومشروع التقاسم الإقليمي للنفوذ. والمواطن العدني هو الضحية الأولى والأخيرة لهذا الانهيار الشامل.
خاتمة: عدن تنادي.. فهل من مجيب؟
من مدينة تنبض بالحياة إلى أخرى غارقة في الظلام، تمثل عدن اليوم مرآة للفشل السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يعصف باليمن. فكل الأطراف حاضرة، لكن لا أحد حاضر بالمسؤولية. وفي ظل استمرار تحكم الإمارات عبر المجلس الانتقالي، وصمت السعودية، وغياب الحكومة، تتعمق مأساة عدن يومًا بعد يوم. وربما يكون صراخ نساء عدن في الشوارع هو آخر جرس إنذار قبل أن تنهار المدينة تمامًا.. إن لم تكن قد انهارت بالفعل.
اقرأ أيضًا : ناشطة رومانية تتلقى تهديدات بالقتل بسبب دعمها لغزة: “لن أصمت مهما كلّفني الأمر”