اندلع حريق هائل يوم الاثنين داخل مبنى سنترال رمسيس، أحد المرافق الحيوية في قلب القاهرة، ما تسبب في إصابة 22 شخصًا على الأقل، وانقطاع واسع النطاق في خدمات الاتصالات والإنترنت، بالإضافة إلى تأثر قطاعي الطيران والخدمات المصرفية الرقمية. ووفقًا لتصريحات وزارة الصحة، فإن غالبية الإصابات وقعت بسبب استنشاق الدخان، في مشهد أعاد للأذهان كوارث البنية التحتية القديمة المتراكمة في العاصمة المصرية.
السنترال الذي يقع في منطقة مكتظة بالسكان والأعمال، يربط بين عدة شبكات اتصالات في قلب المدينة. وقد أدى الحريق إلى توقف جزئي ومؤقت في شبكة الإنترنت، بينما أكد مسؤولون أن بعض البنوك، وأجهزة الصراف الآلي، وخدمات الدفع الإلكتروني، تعطلت بالفعل خلال ساعات الحريق. كما أعلنت وزارة الطيران المدني أن التأخير طال عدة رحلات جوية نتيجة الاضطرابات في نظم الاتصالات.

آثار واسعة على الحياة اليومية
تعطُّل شبكة الإنترنت والاتصالات، حتى لو لساعات، أدى إلى ارتباك واسع في مؤسسات حيوية، من الطيران إلى المصارف. هذه الحادثة أظهرت مرة أخرى أن مصر، التي تدّعي أنها تخطو نحو “الرقمنة” و”التحول التكنولوجي”، لا تزال تعاني من هشاشة مرعبة في بنيتها التحتية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالخدمات الأساسية.
فخلال ساعات الحريق، تعطلت خدمات إلكترونية مثل الدفع عبر الإنترنت، وتحويل الأموال، وخدمات العملاء، وهو ما تسبب في موجة شكاوى بين المواطنين ورواد الأعمال الذين يعتمدون على المعاملات الرقمية في حياتهم اليومية. بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة أعلنت عبر حساباتها على مواقع التواصل توقف عملها مؤقتًا بسبب انقطاع الشبكة، مما يثير تساؤلات حول جدية الدولة في تأمين خدماتها السيبرانية.
وزارة الطيران المدني أعلنت “تفعيل خطة الطوارئ”، إلا أن مجرد تأثر حركة الطيران بسبب عطل في أحد السنترالات يكشف حجم الارتباط الهش بين قطاعات الدولة، وعدم وجود أنظمة احتياطية مرنة قادرة على العمل في حالات الطوارئ، وهو أمر غير مقبول في دولة بحجم مصر، وفي عاصمة يتكدس فيها أكثر من 20 مليون نسمة.
ماس كهربائي أم قنبلة موقوتة؟
رغم تأكيد السلطات الأولي أن الحريق نتج عن ماس كهربائي، إلا أن مشاهد الحريق التي تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى اشتعال سريع وكثيف في الطوابق العليا، مع تصاعد دخان أسود كثيف يمكن رؤيته من مسافة كيلومترات. هذه المشاهد طرحت أسئلة جديدة حول مدى جاهزية مباني البنية التحتية الأساسية لمواجهة مثل هذه الحوادث.
فهل كانت منظومة التهوية آمنة؟ هل وُجدت أنظمة رش آلي للحرائق؟ هل كانت المعدات الكهربائية محدثة أم أن المبنى لا يزال يعمل على بنية تحتية عمرها عقود؟
اللافت أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لم يقدم تفاصيل واضحة عن نظام الأمان في المبنى أو مدى توفر خطط بديلة لتوجيه الخدمات في حال وقوع عطل أو حريق، مما يعكس غيابًا للشفافية وللإجراءات الوقائية في المرافق السيادية.
البنية التحتية على المحك
تكشف هذه الحادثة مجددًا أن القاهرة –وربما أغلب المدن المصرية– تعتمد على بنية تحتية متهالكة. فإذا كانت منشأة مثل سنترال رمسيس، التي يفترض أن تكون من “المنشآت الحساسة”، لا تضم منظومات وقاية متقدمة من الحريق أو نظم إنذار مبكر فعالة، فما بالنا بالمباني السكنية أو منشآت الصحة والتعليم؟
الحكومة المصرية خصصت في السنوات الأخيرة مليارات الجنيهات لمشروعات الطرق والكباري والمدن الجديدة، إلا أن الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني، وكذلك صيانة المرافق القديمة في قلب العاصمة، لا تزال متأخرة أو لا تحظى بالأولوية، مما يجعل البلاد عرضة لأزمات مفاجئة قد تشل قطاعات كاملة.
محافظ القاهرة إبراهيم صابر اعترف بانقطاع التيار الكهربائي في المنطقة بسبب الحريق، وهو ما يُظهر أن تأثير الحادث لم يكن فقط رقميًا أو اتصاليًا، بل امتد إلى الخدمات الأساسية. بينما تحاول الدولة الحديث عن “المدن الذكية”، فإنها لم تنجح بعد في تأمين شبكة كهرباء مستقرة في قلب العاصمة عند حدوث طارئ.
إلى متى الحوادث قبل الإصلاح؟
ربما يكون الأهم من السيطرة على الحريق هذه المرة، هو الاعتراف بوجود فجوة ضخمة في صيانة وتأمين مرافق البنية التحتية في مصر. ومع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا والاتصالات، فإن حدوث عطل في نقطة مركزية واحدة يمكن أن يؤدي إلى انهيار قطاعات بأكملها.
الحكومة مطالبة بإجراء مراجعة شاملة لمرافق الاتصالات، ووضع خطط طوارئ متعددة، واستثمار حقيقي في البنية التحتية الرقمية، لا مجرد شعارات عن “التحول الرقمي”.
في النهاية، الحريق الذي اشتعل في طابق بمبنى قديم، كشف حريقًا أكبر في جسد الدولة الإداري: غياب الجاهزية، ضعف البنية الأساسية، وافتقار الشفافية. والسؤال الأهم: كم حريقًا نحتاج بعد كي نتوقف عن إدارة الدولة بعقلية الطوارئ؟
اقرأ أيضًا : كمائن القسام تقلب معادلات خان يونس.. مشاهد توثق المواجهة من المسافة صفر