بقلم / خالد موالي
في زمنٍ فقد فيه المواطنون الثقة برجال السلطة، بسبب عقود من الفساد والاستبداد، يسطع نجم استثنائي من بين رماد الحرائق والدمار، رجل اختاره السوريون قبل أن تختاره المناصب.
إنه رائد الصالح، وزير الطوارئ وإدارة الكوارث في الحكومة السورية الجديدة، وأحد أبرز وجوه الثورة والعمل الإنساني، الذي آثر أن يكون في قلب اللهب بدلًا من البقاء خلف مكاتب مكيفة.
منذ تسلمه منصبه عقب سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، لم يكتفِ الصالح بالشعارات أو بالظهور البروتوكولي، بل جسّد قسمه أمام الشعب بأن يؤدي مهمته بأمانة وإخلاص، عبر مشاركة فعلية ومستمرة في مواجهة حرائق ريف اللاذقية، التي التهمت الغابات والمنازل وأرهبت السكان.
وبدلًا من التصريحات، حمل الوزير أدوات الإطفاء، وجلس مرهقًا على الأرصفة بين رجال الدفاع المدني، ليكون واحدًا من الفريق لا رئيسًا فوقه.

قائد في قلب النيران: صور لا تشبه الماضي
“رائد الصالح.. رجل في قلب النيران”، بهذه العبارة اختصر أحد النشطاء السوريين المشهد الذي رآه الآلاف، حين انتشرت صور الوزير وهو منهك يجلس على حافة طريق جبلي يراقب الجهود، مشاركًا عناصر الإطفاء تفاصيل المعاناة دون تمييز أو استعلاء.
لم تكن هذه الصور مجرد لقطة عابرة لكسب الشعبية، بل امتدادًا طبيعيًا لتاريخ الرجل الذي أسّس منظمة “الخوذ البيضاء” خلال سنوات الثورة، وعرفه السوريون دائمًا في مناطق الخطر، يركض بين الأنقاض، ينقذ الأطفال، ويدفن الشهداء. واليوم، يعيد رائد الصالح تلك الروح في موقعٍ جديد، ولكن بأدوات أوسع ومسؤوليات أكبر، دون أن يغيّره المنصب.
التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي عبّرت عن احترام وتقدير شعبي عارم، إذ كتب أحدهم: “رجال الدولة الجديدة هم من الشعب وإليه يعودون، يعملون بصمت على الأرض لا من خلف المكاتب”، بينما علّق آخر: “لقد سخّر الوزارة لخدمة عمله، ولم يسخّر عمله لخدمة الوزارة”. هذه العبارات تعكس حجم الفجوة التي اعتادها السوريون بين السلطة والشعب في ظل النظام السابق، ومدى التغيير الذي بات ملموسًا.
القيادة بالمثال.. لا بالأوامر
في بلد خرج من رماد حرب طويلة ونظام قمعي لم يعرف من الوزير إلا الهيبة الفارغة والكراسي الفخمة، شكّل رائد الصالح نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه المسؤول في دولة تحترم الإنسان. فهو لم ينتظر تقارير ميدانية ولا اجتماعات مغلقة، بل بات ليلته مع رجال الدفاع المدني في الجبال المشتعلة، يحمل الخراطيم، يخطط، يوجّه، ويشدّ من أزر المتعبين.
هذا الحضور لم يكن معنويًا فقط، بل حافزًا ملموسًا رفع أداء الفرق وكرّس مفهوما جديدا للقيادة في سوريا ما بعد الأسد. أحد المعلقين كتب: “لهذا الوزير تاريخ طويل في إنقاذ السوريين والتضحية من أجلهم، واليوم كما في كل سنوات الثورة هو مع السوريين في قلب الخطر… يستحق من الجميع الاحترام والتقدير، فهو وزير لإنقاذ الناس من الكوارث فعلا، لا مجرد لقب على الشاشات”.
ولم يتوقف التفاعل عند حد الإشادة، بل تحوّل الصالح إلى رمز لـ”الحلم السوري الممكن”، إذ كتب آخر: “هذه هي النتيجة عندما يكون الوزير من الشعب نفسه”. ومنشور آخر قال: “هكذا يكون الوزير الحقيقي، لا بالبدلة العسكرية ولا بالعصا الأمنية، بل بالإنسانية والإخلاص والتواضع”.
السوريون يستحقون وزراء من طينهم
بعد أكثر من عقد من النضال ضد الطغيان، وسنوات من التهجير، والحصار، والجوع، والقصف، يجد السوريون اليوم أنفسهم أمام صفحة جديدة يكتبها رجال بحجم أحلامهم، لا بحجم مناصبهم. رائد الصالح ليس مجرد وزير، بل شاهد حيّ على أن التغيير لا يعني استبدال الوجوه، بل استعادة القيم التي افتقدتها الدولة السورية لعقود.
مشاركة الصالح في مواجهة كارثة اللاذقية تعكس أكثر من مجرد أداء وظيفي، إنها رسالة سياسية وإنسانية بأن الشعب السوري لم يعد رهينة لأمراء الحرب أو نخب الفساد. بل أصبح شريكًا حقيقيًا في الحكم، يختار من يمثله، ويحاسب من يخونه، ويكرّم من يضحي من أجله.
خاتمة: عندما يتحول القسم إلى التزام حيّ
“أقسم بالله العظيم أن أؤدي مهمتي بأمانة وإخلاص”، لم تكن مجرد كلمات، بل التزامًا يوميًا يترجمه الوزير رائد الصالح في كل موقف، وكل ليلة يقضيها على الأرض لا في المكاتب. في اللاذقية كما في حلب، في الغوطة كما في إدلب، لم يتغير الرجل، ولم تتبدّل القيم. واليوم، مع ولادة دولة سورية جديدة، يشكل الصالح عنوانًا حيًا لما يجب أن تكون عليه السلطة: إنسانية، ميدانية، صادقة.
السوريون، الذين عرفوا القهر طويلًا، يستحقون وزراء من طينهم، لا من قوالب القمع القديمة. وربما، أخيرًا، يمكنهم أن يقولوا بفخر: “هذا الوزير منا.. وإلينا يعود”.
اقرأ أيضًا : واشنطن بوست تكشف: إسرائيل قصفت سجناً إيرانياً وأوقعت ضحايا مدنيين.. جريمة حرب بصمتٍ دولي