في مشهد يحمل دلالات مزدوجة على الوعي الشعبي المقاوم، احتشد العشرات من التونسيين، يوم الاثنين، أمام مقر السفارة الفرنسية في العاصمة تونس، تعبيرًا عن تضامنهم مع المناضل اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، المعتقل في السجون الفرنسية منذ أكثر من أربعة عقود. 

ورفع المحتجون صورًا لعبد الله، مرددين شعارات منددة باستمرار احتجازه رغم انقضاء مدة محكوميته القانونية، في حين حذّر نشطاء من تصاعد القمع الداخلي في عهد الرئيس قيس سعيد، الذي لم يتوان عن التضييق على الحريات وخنق أصوات المعارضة، حتى باتت تونس، كما قال البعض، “تقمع من يتضامنون مع من قمعهم الاستعمار”.

جورج عبد الله.. أسطورة مقاومة تختطفها فرنسا

قصة جورج إبراهيم عبد الله، المناضل الأممي والعضو في “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة”، تجاوزت حدود الجغرافيا اللبنانية، لتصبح رمزًا للثبات والمبدئية في وجه المنظومات الاستعمارية. 

اعتقل عام 1984 في فرنسا بتهم تتعلق باغتيال دبلوماسيين أمريكي وإسرائيلي، وحكم عليه بالسجن المؤبد عام 1987. إلا أن المثير للجدل أن عبد الله أنهى مدة محكوميته القانونية عام 1999، ومنذ ذلك الحين رفضت السلطات الفرنسية إطلاق سراحه، رغم صدور قرار قضائي بالإفراج عنه في 2013، استجابة لطلبه بالترحيل إلى لبنان.

لكن باريس رضخت لضغوط أمريكية وصهيونية، وأبقت على عبد الله رهينة سياسية في سجونها، في مخالفة صارخة لمبادئ “دولة القانون”، التي طالما تباهت بها فرنسا أمام العالم. 

هذا التناقض بين شعارات الديمقراطية وممارسات الاستعمار الجديد كان في صلب احتجاجات التونسيين أمام سفارة باريس، حيث قال صلاح الدين الذوادي، عضو الشبكة التونسية لمناهضة التطبيع

“نحتج اليوم في عاصمة بلد يعاني بدوره من سلطة قمعية، أمام سفارة دولة استعمارية ما تزال تدعم الاحتلال وتختطف مناضلًا أمميًا فقط لأنه آمن بعدالة القضية الفلسطينية”.

تونس بعد الثورة.. قمع مزدوج بين الداخل والخارج

اللافت أن هذه الوقفة التضامنية لم تخلُ من الإشارات إلى واقع القمع داخل تونس نفسها. فبينما كان المحتجون ينددون باستمرار اعتقال عبد الله من قبل “دولة استعمارية” كما وصفوها، لم يغفلوا الإشارة إلى تضييق الحريات في الداخل التونسي، في ظل القبضة الحديدية للرئيس قيس سعيد.

فمنذ انقلاب 25 يوليو 2021، اتخذ قيس سعيد من “الإصلاح الدستوري” ستارًا للانفراد بالسلطة، وشنّ حملة اعتقالات واسعة طالت سياسيين، نقابيين، صحفيين، وحتى ناشطين من المجتمع المدني. وتُواجه التحركات المؤيدة لفلسطين أو المناهضة للتطبيع في عهده بتهم التخوين أو محاولات التضييق، رغم أن تونس كانت تُعرف تاريخيًا بدعمها القوي للقضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، علّق الناشط صلاح الدين المصري قائلًا:

“نحن هنا لا نحتج فقط ضد فرنسا، بل أيضًا نصرخ في وجه من يكمّم أفواهنا في الداخل.. قيس سعيد يهاجم الإعلام والقضاء والنقابات، ويخشى أي صوت يذكره بأن المقاومة ليست إرهابًا، وأن من يساند عبد الله لا ينبغي أن يُلاحق، بل يُكرّم”.

المصري، الذي تحدث أيضًا لـ”عربي21″، شدد على أن التضامن مع عبد الله هو تضامن مع كل الأسرى، بما فيهم المعتقلون السياسيون في تونس، قائلاً:

“نضالنا متصل، من سجون الاحتلال في فلسطين، إلى زنزانات قمع الرأي في تونس”.

ذاكرة الاستعمار ونكسة السيادة التونسية

الاحتجاج أمام السفارة الفرنسية في تونس لم يكن مجرد وقفة رمزية، بل كشف عمق الغضب الشعبي من استمرار الهيمنة الفرنسية بأشكالها الجديدة. فعقود الاستعمار المباشر التي انتهت في منتصف القرن العشرين، عادت بأدوات ناعمة: هيمنة اقتصادية، تبعية أمنية، دعم للأنظمة الاستبدادية، ورفض لحق الشعوب في التحرر.

وفي حالة عبد الله، فإن رفض فرنسا الإفراج عنه رغم انتهاء محكوميته هو تأكيد على أن من يقف مع المقاومة يُعاقب، لا بسبب الجريمة، بل بسبب الموقف.

الناشطون التونسيون الذين تظاهروا أمام السفارة، أعادوا تذكير العالم بأن دعم المقاومة ليس جريمة، وأن التواطؤ مع الاحتلال يجب أن يكون موضع إدانة. وحمل بعضهم لافتات كتب عليها “جورج عبد الله حرّ.. فرنسا الاستعمارية مجرمة”، وأخرى تقول “من تونس إلى غزة.. لا تطبيع مع الاحتلال ولا خضوع للاستعمار”.

لكن، في المقابل، لا تزال السلطة في تونس تتجاهل هذه الرسائل، وتواصل سياساتها في خنق الحريات وتصفية المجال العام. وقد أصبح واضحًا أن من يعارض السياسات الاستعمارية الخارجية، عليه أولًا أن يواجه القمع المحلي الذي يحاصره من كل اتجاه.

خاتمة: رسالة من تونس.. الحرية لا تتجزأ

الاحتجاج التونسي أمام السفارة الفرنسية لم يكن مجرد تعبير عن التضامن مع مناضل لبناني معتقل منذ 41 عامًا، بل كان صرخة ضد كل أشكال القمع، سواء جاء من “فرنسا الاستعمارية”، كما وصفها المحتجون، أو من سلطة داخلية تستعيد أساليب الاستبداد في “الجمهورية الجديدة”.

إن قضية جورج عبد الله تفضح نفاق الغرب، بينما يقمع قيس سعيد كل من يرفع صوته مناديا بالعدالة. وبين القمع الخارجي والداخلي، يُدرك التونسيون أن معركة التحرر لا تقتصر على الجغرافيا، وأن الوقوف مع عبد الله هو وقوف مع تونس حرّة، ديمقراطية، ومناهِضة لكل أشكال التطبيع والهيمنة.

اقرأ أيضًا : 60 نائبًا بريطانيًا يتهمون “إسرائيل” بالتطهير العرقي ويطالبون لندن بالاعتراف الفوري بفلسطين