في مشهد يعكس مدى الانهاك الذي تتعرض له قوات الاحتلال داخل قطاع غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الإثنين، مقتل ثلاثة من جنوده في شمال القطاع، جميعهم من سلاح المدرعات في كتيبة 52 التابعة للفرقة 401.
وبينما يحاول الاحتلال التخفيف من وطأة الضربة، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الجنود قضوا في تفجير دبابتهم على يد المقاومة الفلسطينية، مرجحة أن يكون الهجوم تم بصاروخ مضاد للدروع، في عملية وصفت بأنها جزء من تصعيد واضح في أداء المقاومة.
في المقابل، تصاعدت وتيرة الكمائن والانغماسات في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤكد أن المقاومة ما تزال تحتفظ بزمام المبادرة رغم القصف المكثف.

مقتل جنود الاحتلال وانفجار “النمر الحديدي” في جباليا
تأتي خسارة ثلاثة جنود إسرائيليين جدد ضمن سلسلة متواصلة من الضربات التي تتلقاها قوات الاحتلال في غزة. وأعلن الجيش أن القتلى ينتمون إلى كتيبة المدرعات 52، فيما أصيب جندي رابع في نفس العملية. هذه الكتيبة تتبع فرقة “آثار الحديد”، التي تعد من أكثر الفرق تدريبا وتسليحا، ما يجعل الضربة أكثر إيلاماً لقيادة الجيش.
وبحسب رواية صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن الجنود قتلوا بعد انفجار دبابتهم في بلدة جباليا شمال غزة، ويرجح أن التفجير نتج عن صاروخ مضاد للدروع، في إشارة إلى أن المقاومة ما تزال تحتفظ بترسانة فعالة من هذه الأسلحة رغم أشهر طويلة من الاجتياح البري والقصف المتواصل.
هذه العملية ترفع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي إلى 893 جنديا وضابطا منذ بدء الحرب، بينهم 449 منذ بدء الاجتياح البري في 27 أكتوبر، وهي حصيلة تؤكد فشل الاحتلال في تحييد خطر المقاومة رغم مرور أكثر من تسعة أشهر على العدوان.
كمائن المقاومة الذكية.. جحيم شرق غزة وخانيونس
لم يكن تفجير الدبابة الحدث الأمني الوحيد، فقد سبقه ورافقه سلسلة من الكمائن المحكمة التي أوقعت خسائر موجعة في صفوف قوات الاحتلال، خاصة في حي التفاح شرق مدينة غزة، وخانيونس جنوب القطاع. الإعلام العبري وصف هذه الكمائن بـ”الصعبة”، وأقرّ بتفعيل بروتوكول هانيعل، وهو إجراء أمني خاص يُطبّق لمنع وقوع الجنود في الأسر، وهو ما يشير بوضوح إلى أن المقاومة كانت على وشك أسر أحد الجنود، الأمر الذي يشكّل كابوسًا للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
المصادر أشارت إلى أن محاولة أسر جندي في حي التفاح واجهت تدخلًا عنيفًا من الطيران المروحي والمدفعية، مع قصف المنطقة بكثافة وإطلاق نار مكثف، ما يشير إلى حجم الخوف الذي تعيشه القيادة العسكرية الإسرائيلية من تكرار سيناريوهات “شاليط”.
وتشير معلومات إسرائيلية إلى سقوط قتيلين في هذه الكمائن، وإصابات بعضها وُصف بـ”الحرج”، مع نقل جنود إلى مستشفى “تل هاشومير” بطائرات مروحية، وهي عملية إجلاء طارئة لا تُنفّذ إلا في الحالات الخطيرة جدًا.
وفي الوقت الذي تكتم فيه الاحتلال على تفاصيل الهجمات، وصفت منصات عبرية ما حدث في شرق غزة بأنه “كارثة جديدة”، في اعتراف ضمني بالفشل العسكري الميداني.
براعة المقاومة تتصاعد.. حرب عصابات بمعايير عسكرية
اللافت في تطورات الأيام الأخيرة ليس فقط عدد الخسائر في صفوف الاحتلال، بل النوعية المتقدمة للعمليات التي تنفذها المقاومة، مما يدل على تطور تكتيكاتها إلى مستوى متقدم من حرب العصابات الحضرية. ففي خانيونس، أعلنت كتائب القسام استهداف ناقلة جند إسرائيلية من طراز “نمر” بقذيفة ياسين 105، مؤكدة وجود جندي على متنها ورصد تدخل الطيران للإخلاء، ما يعني وجود إصابات محققة أو قتلى.
ومن المعروف أن ناقلة “نمر” تُعد من بين أكثر الآليات المدرعة تحصينًا، واختراقها يؤشر إلى امتلاك القسام قذائف قادرة على كسر الدروع المتطورة. والأهم من ذلك، أن مقاتلي المقاومة تمكنوا من الرصد والضرب والانسحاب، ثم رصد عملية الإخلاء، وهو تسلسل عملياتي لا يُنجز إلا من طرف قوة محترفة ومدربة بامتياز.
كما سبق هذه العملية، مقتل 5 جنود من كتيبة “نتساح يهودا” في اشتباكات شمال القطاع، وهو ما يكشف أن المقاومة نجحت في فتح أكثر من جبهة اشتباك في وقت واحد، وربما باستخدام أنفاق وقناصة وعبوات ناسفة موجهة عن بعد، ما يؤكد مجددًا فشل نظرية “المنطقة النظيفة” التي يروّج لها الاحتلال.
غزة تكتب من جديد معادلة الردع
بخلاف ما روّج له الاحتلال عن تدمير قدرات المقاومة، تظهر الوقائع الميدانية عكس ذلك تمامًا. فعدد القتلى في صفوف الجنود، نوعية الأسلحة المستخدمة ضد الآليات، دقة الرصد والتتبع، واستمرار الكمائن والانغماسات، كلها تؤكد أن المقاومة الفلسطينية – وعلى رأسها كتائب القسام – ما تزال فاعلة وتُدير معركة استنزاف مرهقة وطويلة الأمد.
وهكذا، يجد الاحتلال نفسه، بعد أكثر من تسعة أشهر من العدوان، عالقًا في وحل غزة، يحاول الخروج بلا أسرى جدد، وبأقل عدد ممكن من القتلى، لكن دون جدوى. فقد نجحت المقاومة في فرض معادلة مفادها أن كل خطوة إسرائيلية على الأرض، ستُقابل بكمين، وكل دبابة ستُقابل بقذيفة، وكل تقدم سيكلّف ثمنًا غاليًا.
اقرأ أيضًا : الاحتلال الإسرائيلي يحرق مخيمات النازحين ويهدم منازل المدنيين في خانيونس