في مشهد يثير التساؤلات أكثر مما يجيب، خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الإثنين، بنداء علني خصّ به الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب، داعياً إياه إلى التدخل لإنهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى السكان الذين يواجهون إبادة جماعية منذ أكثر من تسعة أشهر.

هذه التصريحات التي بثّها التلفزيون المصري الرسمي، جاءت على وقع تصاعد الغضب الشعبي والضغوط الدولية التي تحاصر نظام السيسي، في ظل ما بات يُوصف بـ”حصار السفارات” ومشاهد مأساوية على معبر رفح، حيث تتكدّس شاحنات المساعدات بلا جدوى، فيما يموت الأطفال عطشاً وجوعاً على الطرف الآخر من الحدود.

نداء باهت بعد شهور من التواطؤ

قال السيسي في كلمته:

“أوجه نداء عامًا إلى كل دول العالم، إلى الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ولأشقائنا في المنطقة العربية، إننا نبذل أقصى جهد خلال هذه الفترة الصعبة لإيقاف الحرب وإدخال المساعدات”.

ثم أضاف بصيغة لافتة:

“أوجه نداء خاصًا للرئيس ترامب، لأن تقديري له الشخصي، بإمكانياته، بمكانته، هو القادر على إيقاف الحرب وإدخال المساعدات وإنهاء هذه المعاناة”.

ولم يوضح السيسي لماذا اختار ترامب تحديدًا، وهو ليس الرئيس الحالي للولايات المتحدة، مما فتح الباب لتحليلات عدة، بعضها رأى أن السيسي يحاول مغازلة تيار سياسي أميركي يتقاطع مع اليمين الإسرائيلي، بينما رأى آخرون أن الرجل يبحث عن مظلة يتبرأ من خلالها من عجزه وفشله أمام الضغوط المتصاعدة.

لكن المتابعين للشأن الفلسطيني لا يرون في هذا “النداء” أكثر من محاولة مكشوفة لتبييض صفحة نظام بات متهمًا رسميًا من قطاعات واسعة من الشارع العربي بأنه “شريك في الجريمة” من خلال استمرار إغلاق معبر رفح من جهة، والتنسيق الأمني غير المعلن مع تل أبيب من جهة أخرى.

السيسي في مأزق: حصار السفارات ووصمة “الخذلان”

لم تأتِ كلمة السيسي في فراغ، بل جاءت بعد سلسلة من الأزمات السياسية والإنسانية التي وضعت نظامه في خانة الاتهام بالخيانة، خاصة في ظل ما بات يُعرف بـ”حصار السفارات”، حيث شهدت مقار دبلوماسية مصرية في عدد من العواصم تظاهرات غاضبة تطالب القاهرة بفتح المعبر فورًا دون شروط، وتحملها مسؤولية سقوط الضحايا جوعًا وحرمانًا.

وفي الوقت نفسه، تتسرب شهادات من داخل الحكومة المصرية ومنظمات المجتمع المدني تفيد بأن القاهرة رفضت، في أكثر من مرة، طلبات عاجلة للسماح بمرور مساعدات إنسانية أو قوافل طبية، لأسباب “أمنية”، رغم جاهزية الشاحنات وتوافر الموافقات من الجهات الدولية.

وقد أحرجت هذه الممارسات نظام السيسي أمام الرأي العام، بعدما ظهرت صور لأطفال غزيين يموتون جوعًا، فيما تُظهر صور الأقمار الصناعية آلاف الشاحنات المحمّلة تنتظر في الجانب المصري من معبر رفح.

وأكد السيسي في كلمته أنه لا يمنع دخول المساعدات، قائلاً:

“نحن لا يمكن أن نمنعها.. لا قيمنا ولا ظرفنا الوطني ولا مسؤوليتنا الأخلاقية تسمح بذلك”، لكنه ربط الدخول بفتح المعبر من الجانب الفلسطيني، وهي حجة واهية بحسب ناشطين، إذ إن السيطرة الميدانية على المعبر أصبحت بيد الاحتلال منذ اقتحامه بالقوة، ويعلم النظام المصري ذلك جيدًا.

“نداء الخائن”.. انتقادات لاذعة ورفض شعبي

لم تمر تصريحات السيسي مرور الكرام، بل فجرت موجة من الانتقادات عبر مواقع التواصل، حيث اتهمه آلاف المعلقين بأنه “شريك في الحصار” وأن ندائه ليس سوى “خطاب علاقات عامة” بعد أن انفضحت جرائم التواطؤ.

وقال أحد المغردين:

“بعد 9 شهور من التجويع.. يأتي السيسي ليطالب ترامب بالتدخل؟ أين كان كل هذا الوقت؟ وماذا فعل بالمعبر المغلق؟ من منع قوافل الشعوب وأخضعها للتفتيش والإذلال؟”.

فيما كتب آخر:

“ترامب؟ ولماذا ليس بايدن؟ أليس هذا اعترافًا ضمنيًا أن النظام المصري ينحاز لصقور اليمين الأميركي – الإسرائيلي؟”.

ويُشار إلى أن هذا “النداء” تزامن مع إعلان منظمة الصحة العالمية عن ارتفاع عدد ضحايا المجاعة وسوء التغذية في غزة إلى 147 شهيدًا، بينهم 88 طفلًا، وهي أرقام صادمة دفعت منظمات إنسانية إلى اتهام المجتمع الدولي بـ”التواطؤ الصامت”، ومصر بـ”الخيانة الصريحة”.

مشروع التجويع الأميركي الإسرائيلي.. وصمت مصري

يأتي نداء السيسي أيضًا بعد أسابيع من فضيحة المشروع الأميركي الإسرائيلي المعروف باسم “مؤسسة غزة الإنسانية”، الذي يسعى للسيطرة على توزيع الغذاء داخل القطاع، متجاوزًا المنظمات الأممية، ما اعتُبر أداةً جديدة لتجويع الفلسطينيين وابتزازهم سياسيًا.

ورغم إدانات دولية لهذا المشروع، لم يصدر عن القاهرة أي موقف حاسم ضده، ما أفسح المجال لمزيد من الاتهامات بأنها شريك صامت في خطة خنق غزة.

وما يزيد من وقع الاتهامات، أن معبر رفح هو المنفذ الوحيد الذي لا يخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، ومع ذلك، فشل النظام المصري في جعله شريان حياة للفلسطينيين، بل تحوّل إلى أداة ضغط تُستخدم حسب التفاهمات الأمنية الإقليمية والدولية.

ختامًا: التوقيت يفضح النوايا

في ظل هذه المعطيات، يُنظر إلى “نداء السيسي” ليس باعتباره خطوة إنسانية، بل محاولة لإنقاذ ماء وجه النظام بعد أن اتّسعت دائرة الانتقادات من داخل وخارج مصر، ولجأ النظام إلى ما يشبه رسالة استغاثة، لكنها جاءت متأخرة، وبعناوين مضللة.

فالحرب لم تبدأ أمس، والمجاعة لم تندلع فجأة، والمساعدات لم تُحتجز منذ أسبوع. كل ذلك يجري منذ شهور، دون موقف جريء أو حتى مبادرة مصرية حقيقية، وهو ما يجعل من نداء السيسي، في نظر كثيرين، مجرد صدى باهت لصوت الخذلان.

اقرأ أيضًا : “الشعب يريد إسقاط النظام”.. احتجاجات في الدقهلية بعد وفاة معتقل تحت التعذيب