في واحدة من أعنف المعارك منذ بدء حصار مدينة الفاشر، تمكن الجيش السوداني، مدعومًا بالقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية، من صدّ هجوم واسع شنّته قوات الدعم السريع على عاصمة ولاية شمال دارفور.
وبينما يُعد هذا الانتصار العسكري تطورًا ميدانيًا هامًا، تبقى المدينة في قبضة الحصار، تُصارع المجاعة والقصف اليومي، في ظل تراجع الحلول السياسية واتهامات متصاعدة للإمارات بتغذية أتون الحرب الدامية.

هجوم مدفعي فاشل.. وتماسك غير مسبوق للقوات المشتركة
فجر الخميس، أطلقت قوات الدعم السريع هجومًا مكثفًا على مدينة الفاشر، من محورين رئيسيين: الشمال الشرقي والشمال الغربي. الهجوم الذي سبقه قصف مدفعي عنيف، استهدف فتح ثغرة في خطوط الدفاع للمدينة، تمّ التعامل معه بحرفية عالية من الجيش السوداني والقوات الحليفة.
وأكدت مصادر عسكرية أن القوات النظامية كانت تراقب التحركات منذ مساء الأربعاء، مما مكنها من صدّ التوغل، وتدمير خمس آليات وقتالية واستعادة مركبة محملة بالذخائر. وبحسب العقيد أحمد حسين مصطفى، المتحدث باسم القوة المشتركة، فإن “المعركة كانت حاسمة” وشارك فيها مقاتلون من ما يُعرف بتحالف “السودان التأسيسي” الذي انخرط مؤخرًا ضمن الدعم السريع.
ورغم عدم وجود أرقام دقيقة لعدد القتلى في صفوف الدعم السريع، أفادت مصادر ميدانية بمقتل العشرات، في ما وصفه مراقبون بأنه “أول انكسار حقيقي في استراتيجية الضغط العسكري التي تنتهجها قوات حميدتي في الفاشر”.
أزمة إنسانية خانقة وسط عجز دولي.. والإمارات تُغذي النار
لكن هذا النجاح العسكري لا يحجب الكارثة الإنسانية المتفاقمة في الفاشر. فالمدينة التي تعيش تحت حصار خانق منذ أبريل الماضي، لم تعد تملك الحد الأدنى من مقومات الحياة. السكان يعتمدون على علف الحيوانات المعروف بـ”الأمباز” للبقاء، بينما توقفت المرافق الصحية والغذائية، وتحوّل سوق أبو شوك – المنفذ التجاري الوحيد – إلى هدف للقذائف.
قذائف الدعم السريع طالت مخيم أبو شوك للنازحين، وقتلت وأصابت مدنيين، بينهم نساء وأطفال، كما دمرت منازل ومرافق حيوية. وقال المواطن سليمان أرباب: “من خرج بحثًا عن الطعام عاد محمولًا جثة… القذائف لا تفرّق بين المقاتلين والنساء”.
في هذا السياق، تلعب الإمارات دورًا خطيرًا خلف الكواليس في تأجيج الصراع. فبحسب تقارير دولية موثقة، تواصل أبوظبي تمويل وتسليح قوات الدعم السريع بطرق غير مباشرة عبر شبكة من الوسطاء في ليبيا وتشاد، بهدف ترسيخ نفوذها في الموانئ السودانية وتعزيز قوتها في منطقة البحر الأحمر.
الرفض الإماراتي لأي تسوية سياسية لا تُبقي لحليفها محمد حمدان دقلو (حميدتي) موطئ قدم في المعادلة السياسية السودانية، دفعها إلى عرقلة جهود اللجنة الرباعية (أمريكا، السعودية، مصر، الإمارات) التي كان من المفترض أن تجتمع في واشنطن هذا الأسبوع. ووفقًا لمصادر دبلوماسية، فإن الخلاف بين مصر والإمارات حول مستقبل الدعم السريع تسبب في إلغاء الاجتماع، مما أعطى الأخير ضوءًا أخضر للتصعيد العسكري في دارفور.
انتصار بلا انفراجة.. وتحذيرات من موجات نزوح ومجاعة شاملة
رغم صدّ الهجوم، يحذّر محللون من المبالغة في الاحتفاء بالإنجاز العسكري. فالفاشر ما زالت محاصرة، والمجاعة تتفشى، ولا يمكن للاشتباكات أن تُنتج حلًا طويل الأمد دون عملية سياسية شاملة.
يرى الباحث في الشأن السوداني، عبد الرحمن صالح، أن “ما جرى في الفاشر يُظهر تطورًا في التنسيق بين الجيش والقوى المحلية، لكنه غير كافٍ لفك الحصار. الدعم السريع سيعود بهجمات أعنف ما لم يتم تطويقه عسكريًا في الإقليم الغربي”.
كما يحذر نشطاء محليون من أن الدعم السريع قد يستخدم سياسة الأرض المحروقة مجددًا، بتكرار سيناريوهات مجازر غرب دارفور. فمع انسداد الأفق السياسي، وغياب الإغاثة، وغياب الضغط الدولي، فإن المدنيين سيكونون هم الضحية الأكبر في الأيام المقبلة.
وفي شهادتها المؤلمة، تقول فاطمة مكي: “نُطعم أبناءنا الأمباز ونشرب من مياه آسنة، ننتظر الموت في أي لحظة… لا أحد يسمع صراخنا”. كلمات تلخص واقع مدينة بأكملها، تُركت وحدها في مواجهة المجاعة، والنسيان، والقذائف.
خاتمة:
هجوم الفاشر الأخير كشف هشاشة الوضع الميداني لقوات الدعم السريع، لكنه أيضًا فضح مجددًا التواطؤ الإقليمي، خاصة من أبوظبي، في تعميق مأساة دارفور. وبينما يحتفل البعض بهذا الانتصار العسكري، تبقى الحقيقة أن المعركة الأكبر لم تُحسم بعد: معركة الغذاء، والدواء، والكرامة، والعدالة. فما لم يتحرك العالم، فإن مدينة الفاشر قد تكون العنوان التالي لمجزرة تُرتكب ببطء وبدم بارد… أمام أنظار الجميع.
اقرأ أيضًا : إسرائيل تُخلي بعثتها في الإمارات: تحذيرات أمنية تكشف هشاشة التطبيع